باركلي في الوسط خلال تسجيل الدقائق الأخيرة من شريط "مات مسموما" (الجزيرة)

محمد العلي-باريس

منذ وصول الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى مستشفى بيرسي الفرنسي في 29 أكتوبر/ تشرين الأول طلبا للعلاج, حتى وفاته في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2004, أجرى عليه الأطباء الفرنسيون كافة الفحوصات المفترضة للأمراض المعروفة، بما فيها بعض أندر الحالات على مستوى العالم، ولكن جميع نتائج الفحوصات جاءت سلبية.

ورغم شكوك بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية باحتمال موته مسموما, انتهى الأمر وقتها بالتسليم بغموض أسباب وفاة عرفات واستلام نسخة من التقرير الطبي الفرنسي بشأنها وحصول أرملته سهى على نسخة مماثلة.

مع موافقة سهى عرفات في فبراير/ شباط 2011 على تسليم ملف عرفات الطبي ومتعلقاته الشخصية إلى فريق الصحافة الاستقصائية في الجزيرة، اتجهت الأمور وجهة أخرى.

فقد سلم فريق الجزيرة متعلقات عرفات إلى معهد الفيزياء الإشعاعية في لوزان بسويسرا لفحصها، آخذين في الاعتبار مهنية خبراء المعهد وحيادهم وتجربتهم في تحليل أدلة لصالح جهات دولية متعددة بينها المحكمة الجنائية الخاصة بيوغسلافيا السابقة.

ورغم أن مفاجأة العثور على أثر للبولونيوم، في ملابسه وفرشاة أسنانه، كانت مدوية. وأعطت للاكتشاف بُعده الجنائي، إلا أن مفردات التقارير العلمية والطبية الدقيقة -على أهميتها- لم تكن لتعطي القضية بعدها كجريمة جنائية محتملة. هنا بالضبط أتى دور الدكتور ديفد باركلي وخبرته لأكثر من ثلاثين سنة في العثور على الأدلة الإجرامية في أكثر من 230 حالة داخل بريطانيا وخارجها.

باركلي: عرفات سمم عن طريق الفم (الجزيرة)

إنه عمليا الوسيط بين مفردات التقارير الباردة والمحايدة للعلماء, والقراءة العميقة لأدلة البحث الجنائي ببعديها الحقوقي والعلمي. وهو بخلفيته كخبير في الطب الشرعي ومحقق ومحاضر ومؤلف في مجال الأدلة الإجرامية ببريطانيا، أتاح للجزيرة ولمشاهديها الوقوف على التفسيرات الجنائية للأدلة التي كشفها الأطباء السويسريون بشأن موت عرفات.

جذور الشعر
في الشريط الأول للجزيرة كانت شروحات باركلي مفصلية في توضيح الدلالات الجنائية لما جاء في التقرير الأول للأطباء السويسريين. ففسر مثلا دلالات العثور على البولونيوم في شعر عرفات بقوله "تكمن ميزة الشعر في أنه أثناء نموه تترسب جزيئات من العقاقير والسُموم في قصبة الشعر، لذا إذا وافتني المنية في نفس اليوم الذي أصبت فيه بالسُم، فإن المكان الوحيد الذي سيكون به السُم هو جذور الشعر، لكن إذا أصبت قبل أسبوع، فسيقع السُم على ارتفاع سنتيمتر واحد من جذور الشعر".

أما في شريط الجزيرة الجديد المعنون "مات مسموما" فقد قدم باركلي في اللقطات الأخيرة من التحقيق الصحفي بعد تسلم سهى عرفات نسخة من التقرير السويسري, توضيحات مفصلية حول مضمونه وحول المعلومات العلمية التي يحتويها، وخصوصا ما تعلق منها بوجود مادة الرصاص المشع في جسمه وعلاقتها بانخفاض معدلات البولونيوم بالرفات.

مقر معهد الفيزياء الإشعاعية الجامعي بمدينة لوزان السويسرية حيث فحصت رفات عرفات (الجزيرة)

وقال باركلي "إن نسبة الرصاص والبولونيوم (المعروف بأن عمره ينخفض إلى النصف كل ستة أشهر) تساوت بعد تسع سنوات في رفات عرفات، فانفخض البولونيوم ليتساوى مع الرصاص". وكان هذا الشرح ضروريا لفهم مغزى بقاء البلونيوم بنسبه الواردة بالتقرير حتى بعد تسع سنوات من الوفاة.

تقبيل
وخارج إطار التسجيل المعد لشريط  "مات مسموما" كرر باركلي للجزيرة نت ما سبق أن قاله من قبل بأنه يرجح أن البولونيوم حقن عن طريق الفم (injestion) في جسم عرفات. وأن ذلك "يمكن أن يتم عبر لمس الشفاه باليد أو التقبيل" أي ليس بالضرورة أن يكون قد دس في وجبة الطعام الأخيرة التي تناولها.

وفي تقييمه للتقرير السويسري الجديد، وصف باركلي عناصره العلمية والتحليلية بأنها "قوية". وذهب إلى حد الابتعاد عن تحفظات الأطباء السويسريين بقوله "لو كنت عضوا في لجنة تحقيق لقلت إن البولونيوم هو ما تسبب في قتل عرفات". واختتم باركلي تعليقه على معلومات واستنتاجات التقرير السويسري الثاني بالجزم بأن "الخطوة القادمة هي البحث عن القاتل".

المصدر : الجزيرة