سلافة جبور-دمشق

منحنياً فوق آلة الخياطة القديمة في غرفة صغيرة، يبدو أبو محمد منهمكاً في عمله، وعلى الأرض حوله تتكوم عشرات قطع الثياب التي تنتظر دورها. بالكاد يملك الرجل بضع دقائق يتوقف خلالها عن العمل كي يجيب عن أسئلة يبدو أغلبها بديهياً بالنسبة إليه.

أبو محمد أب لثلاثة أطفال ونازح من غوطة دمشق الشرقية منذ شهر فبراير/شباط الماضي. عاش شهوراً لا يحب كثيراً أن يتذكرها، إلا أنه فخور اليوم بما آلت إليه حاله: غرفة صغيرة في أحد أحياء العاصمة المتواضعة وعمل يقيه ذل طلب المساعدات.

لكن الأهم في نظر العائلة - التي رفضت نشر صورها خوفا من ملاحقة النظام-  هو أن أفرادها ما يزالون على قيد الحياة، وهو ما يعتبره  أبو محمد هبة من السماء لا تقدر بثمن.

"بضع لحظات فقط تلك التي كانت تفصلنا عن الموت"، يقول أبو محمد، مسترجعاً تفاصيل تلك اللحظات الرهيبة التي نجا فيها مع زوجته وأطفاله من موت محتم حملته إليهم طائرة "ميغ" ألقت بقذائفها فوق منزلهم في يوم شتوي كئيب.

نجاة بأعجوبة
"كنا نجلس في ممر المنزل أنا وزوجتي وأطفالي كما اعتدنا كلما اشتد القصف، وكنت أحضنهم بيدي في محاولة بائسة مني لحمايتهم". ويتذكر أبو محمد أن ذلك اليوم كان من أعنف الأيام التي شهدوها في بلدة عين ترما منذ بدء الحملة العسكرية العنيفة على الغوطة.

الدمار عمّق بؤس الحي الذي كانت العائلة تقطنه بالغوطة (الجزيرة)

"كان القصف شديداً والقذائف تتساقط بالقرب من منزلنا، وعندما بدأ هدير طائرة الميغ بالاقتراب علت أصوات أطفالي بالبكاء". يتذكر أبو محمد ليضيف "لم يكن أمامي سوى الاستسلام لإحساس بالعجز لم أعرف أسوأ منه في حياتي.

وبأسلوب طغى عليه الحزن يتابع قائلا "لم أكن أملك خياراً سوى انتظار الموت أنا وعائلتي، لكن القدر حمل إلينا من ينقذنا منه في اللحظة الأخيرة".

يصمت أبو محمد، لتقول زوجته: "فجأة خُلع باب البيت ليدخل شاب لم يتجاوز العشرين من عمره. أمسك أولادي بيديه وبدأ يصرخ كي نخرج بسرعة من المنزل. لم نشعر بأنفسنا إلا ونحن في الشارع، نركض بسرعة حتى وصلنا إلى حي يبعد عن بيتنا بضعة مئات من الأمتار، ولجأنا إلى قبو صغير مع عشرات العائلات الهاربة من القصف".

"لكن ذلك الشاب استشهد"، يتنهد أبو محمد مكملاً عمله على آلة الخياطة ودون أن ينظر إلى محاوره، ثم يتابع  "ذهب لإنقاذ عائلة أخرى واستشهد هو وإياهم بصاروخ من طائرة الميغ".

قصف وأشلاء
وبينما تغالب انهمار الدموع، تقول أم محمد إن زوجها دفن أشلاء الشاب بيديه، بعد ساعات من انتهاء القصف وعودته للمنزل في محاولة منه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أبومحمد:

تمنيت الموت في لحظات كثيرة أحسست فيها بعدم جدوائية الحياة

ورغم الذكريات الأليمة، لا زالت عائلة أبو محمد تجد مساحة للأمل والنسيان فأطفالها الثلاثة عادوا للمدرسة بعد انقطاعهم عنها في السنة الماضية.

وبعد ذلك اليوم العصيب، قرر أبو محمد النزوح بشكل نهائي عن الغوطة وأخذ عائلته في الصباح التالي وخرجوا مشياً على الأقدام حتى وصلوا لدمشق حيث أمضوا شهورا يتنقلون بين أقبية الجوامع والمدارس التي تحولت إلى مراكز تؤوي عشرات العائلات الهاربة من الموت.

ومع أن العائلة خسرت كل ما كانت تملكه فإنها لم تستلم لليأس حيث بدأ أبومحمد يتنقل بين عدة أعمال للحصول على أجر يؤمن به ضرورات العيش قبل أن يعود للخياطة التي هي حرفته الأساسية.

وبعد تأمين العمل والمسكن المتواضعين، يقول أبو محمد إنه لم يعد مضطرا لطلب المعونات من أحد، بعد أن تمنى الموت في لحظات كثيرة أحس فيها بعدم جدوى الحياة.

المصدر : الجزيرة