سويشر وبوشود رئيس علماء معهد لوزان أمام مقر المعهد (الجزيرة)

محمد العلي-لوزان

في مبنى عادي من ثلاث طبقات, يقع أسفله معرض سيارات مستعملة, أحيا عشرة علماء سويسريين ملفا كاد غبار النسيان يعلوه. هو ملف الموت الغامض للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

فبعد أن كشف علماء معهد الفيزياء الإشعاعية التابع لجامعي لوزان السويسرية نهاية العام 2012 وجود مادة البولونيوم 210 المشعة والسامة في ملابسه وقبعته, ها هم يؤكدون مجددا في تقريرهم الجديد المكون من 108 صفحات, وبالدليل العلمي أن عرفات مات مسموما بهذه المادة القاتلة.

العلماء السويسريون العشرة الذين وضعوا توقيعاتهم على التقرير الجديد لا يتعاطون السياسة ولا صلة لهم بالإعلام, رغم ضخامة المفاجآت السياسية والعلمية التي فجروها.

هم رجال علم واختبارات, لا تصريحات ولا ردود أفعال. عالمهم هو البحث العلمي فحسب وإعداد التقارير القائمة على الأرقام والشروحات والحسابات الطبية والإثنولوجية. والأرجح أنهم لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين وقضيتها على الخريطة الجغرافية والسياسية. وربما قد يكونون سمعوا اسم ياسر عرفات في نشرة أخبار ما, في السنوات الثلاثين الماضية.

لكنهم في المقابل محايدون مثل بلدهم, ومخلصون للعلم ولضمائرهم، يقدمون نتائج الفحوص الطبية والعلمية, ولا يكترثون بالنتائج السياسية والقضائية التي قد تترتب عليها. وهذا بالضبط ما دفع الجزيرة للبحث عنهم عند بدء معالجة ملف عرفات, علما بأن دولا أوروبية أخرى لديها مختبرات مماثلة, لكن إلى جانب مختبراتها هنالك مصالح وإستراتيجيات من شأنها بشكل أو بآخر التأثير على الاستنتاجات والتقارير العلمية.

تغطية خاصة حول تسمم عرفات

حتى في المظهر لا يستطيع أي كان أن يميز علماء معهد الطب الشرعي في لوزان عن باقي سكان المدينة الصغيرة.

قبل دقائق من إعلان الجزيرة عبر رئيس قسم الصحافة الاستقصائية كلايتون سويشر نتائج تقرير الخبراء الثاني من أمام مقر المركز في لوزان، نزل البروفيسور فرانسوا بوشود رئيس فريق الخبراء لمشاهدة ما يحدث.

كان ينتعل حذاء رياضيا ويحمل حقيبة مدرسية على ظهره, ككثيرين من شبان لوزان وشاباتها, ولم يكن مظهره الخارجي يختلف عن أي سويسري آخر قد تلتقيه في الشارع. لكنه في المقابل صاحب نظرة ثاقبة وقليل الكلام.

كل ما ذكره وهو يتابع الحركة الدؤوب للصحفيين والفنيين من الجزيرة والفريق السويسري المسؤول عن البث المباشر جملة واحدة هي "الحكومة السويسرية لم تمارس أي نوع من الضغوط علينا". وقبل أن ينصرف عانقه سويشر واحتضنه ثم تبادلا كلمات المجاملة.

ويأتي البروفيسور باتريك مانجين الثاني في ترتيب العلماء العشرة الواردة أسماؤهم في تقرير تسميم عرفات الجديد. لكنه الأول في مجال الطب الشرعي المتعلق بالسموم. وتجربته في الحياد والثبات على الموقف بدأت مع قصة فحص جثة صلاح الدين الأحمد السلامي اليمني الذي قضى في يونيو/حزيران 2006 أثناء سجنه في معتقل غوانتانامو.

وقد نجح إصرار مانجين وقتها في إحراج الأميركيين وإثارة الشكوك في روايتهم عن موت السلامي انتحارا, عندما أصر على معاينة حنجرة السلامي, وهو ما رفضه نظراؤه الأميركيين.

بيد أن أهم مما يمكن قوله عن خبراء معهد لوزان مجتمعين هو أن صيت مهنيتهم وحيادهم سبق انخراطهم بالعمل على فحوص عرفات. وقد تأكد ذلك بعد الفحوص المماثلة التي أجروها لصالح تيمور الشرقية ومحكمة الجنايات الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة, إلى جانب فحوص تتعلق بموت الأميرة ديانا.

المصدر : الجزيرة