مطار المزة العسكري في دمشق الذي يضم سجنا تديره المخابرات الجوية (الجزيرة)

علاء الدين عرنوس-دمشق

لا تبدو مهمة التقاط صور لمحيط مطار المزة العسكري في دمشق أمراً سهلاً، إذ تنتشر في أغلب أبنيته المحصنة مجموعات من القناصة المزودين بكاميرات حرارية روسية المنشأ، فضلاً عن طوق من الأبنية السكنية المحيطة يقطنها عناصر من المليشيات المؤيدة للرئيس بشار الأسد، تسمى "اللجان الشعبية".

عبر طريق طويلة وخطرة، يرافقنا حامد (27عاماً) إلى أقرب نقطة تُمكننا من رصد حركة المطار والذي يعد مركز القوة الاستخباراتية للنظام السوري ومقر أغلب قياداته الأمنية الحالية التي تقود عملياتها ضد المدن الثائرة.

ولحامد قصة معاناة ومأساة مع الاعتقال في هذا السجن لا تختلف عن سكان مدينة "معضمية الشام" التي استطاعت الجزيرة نت دخولها رغم الحصار المفروض عليها من قبل النظام.

ففي هذه المدينة تسمع عشرات القصص التي تروي معاناتها مع أكثر الأجهزة الأمنية نفوذاً "المخابرات الجوية"، والتي جعلت من هذا المطار القديم مركزاً لعملياتها، وسجناً يرتبط بسمعتها السيئة، حسب وصف حامد.

"بيت خالتنا"
"هناك بيت خالتنا" يشير حامد بيده نحو المطار، وهذه الجملة يستخدمها أغلب السوريين لوصف السجن، ويتابع أن المخابرات الجوية اعتقلته لشهرين داخل المطار عقب مظاهرات في أحد أيام الجمع التي سميت "بالجمعة العظيمة"، وأُطلق سراحه بعدما دفعت أسرته مبالغ مالية كبيرة للمحققين، كما قال.

يُعد السجن داخل المطار من أسوأ السجون سمعةً في سوريا منذ إغلاق سجن تدمر أواخر القرن الماضي

"

يصعد بنا إلى سطحِ أحد الأبنية المطلة على المطار، في محاولة لا تخلو من المخاطرة، لتنطلق باتجاهنا رشقات بنادق آلية من جهة المطار.

ويُعد السجن داخل المطار من أسوأ السجون سمعةً في سوريا منذ إغلاق سجن تدمر أواخر القرن الماضي، ويصف حامد زنزاناته تحت الأرض "بالجحيم اللانهائي"، ويقول إن كثيراً ما ينتهي مشهد التعذيب الجماعي اليومي بموت سجين أو أكثر، وأغلب من ماتوا لم تُسلم جثثهم لذويهم.

وتكاد تنعدم مصادر المعلومات عن سجن المطار باستثناء شهادات معتقلين سابقين، من بينهم نساء ومراهقون دون الـ18، قضوا فترات سجن تتراوح بين شهر وسنة بلا محاكمة، وينقلون في الغالب أسماء معتقلين آخرين تسنت رؤيتهم داخل السجن.

صوت السياط
يقودنا "حامد" إلى منزل سيدة أُطلق سراحها في مايو/أيار الماضي ضمن عملية تبادل أسرى بين اللجان الشعبية والجيش الحر، سألناها عن ظروف سجنها وعن السجن وقبل أن تبدأ الإجابة قاطعتها زخات من راجمات الصواريخ، وتقول كنّا نسمع صراخ الرجال وأصواتهم من حين لآخر طيلة اليوم، أما الصوت الوحيد الذي كان لا يتوقف فهو صوت السياط.

ووفقاً لرواية السيدة فإن أكثر من أربعمائة معتقلة تواجدن داخل السّجن خلال فترة اعتقالها (فبراير/شباط إلى أبريل/نيسان ٢٠١٣)، بيد أن الزنزانة الواحدة في سجن الرجال كانت تحوي ضعفي هذا الرقم.

ولا تكاد تخلو شهادات من التقيناهم من وصفٍ لمشاهد تعذيب غاية في القسوة، وإعدام جماعي واغتصاب، يقود أغلب التحقيقات ضبّاط وصف ضبّاط من فرع المخابرات الجوية.

فمعظم من خرجوا من سجن مطار المزة تم تحويلهم إلى سجون وأفرع أمنية أخرى لإكمال تحقيقاتٍ مختصة أو لإجراء محاكمات شكلية، ويشرح أحد قضاة القصر العدلي بدمشق كيف تتم التحقيقات الأمنية عموماً تحت التعذيب، وكيف يتلخص دور القضاء حالياً بالإجراءات الشكلية ونقاهة المعتقل قبل إطلاق سراحه نظراً لسوء حالته الصحية.

وتنطلق من مطار المزة العسكري صباح كل يوم مجموعات عسكرية تقاتل إلى جانب الجيش النظامي بالمناطق الساخنة القريبة للمطار، والتي غالباً ما يتم قصفها من المطار نفسه بصواريخ أرض أرض ومدفعية الهاون، في حين يشكل الحاجز على باب المطار، العقبة الأكبر على مدخل دمشق الجنوبي.

المصدر : الجزيرة