المتتبع لوسائل الإعلام يكاد يجزم بألا خطوط حمراء أو محرمات بصحافة تونس بعد الثورة (الجزيرة)

رانيا الزعبي -تونس

الصراع على الساحة السياسية بتونس بين الحكومة والمعارضة ينعكس جليا وبشكل أكثر حدة وشراسة على صفحات الصحف وبرامج الفضائيات والإذاعات الرسمية والخاصة، فكل مسؤول أو تيار حزبي بجد نفسه بدائرة الاتهام، وأي شخصية عامة مهما علا شأنها وقدرها عرضة للانتقاد، لدرجة أن المتتبع لوسائل الإعلام يكاد يجزم بألا خطوط حمراء أو محرمات بصحافة تونس بعد الثورة.

وسائل الإعلام التي كانت تعد العصا التي تطبل لنظام زين العابدين بن علي تحولت هي نفسها لضرب الحكومة الحالية، يقول عبد السلام العبيدي المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء علي العريض.

واتهم العبيدي في تصريحات للجزيرة نت بعض وسائل الإعلام المعارضة بعدم المهنية، واعتماد أسلوب المبالغة والتهويل، واجتزاء الحقائق خدمة لأجندات سياسية.

ودلل على كلامه بالقول إن النظام السابق كان يخفي عن الصحافة والمجتمع حقيقة الأرقام المتعلقة بالتنمية أو الفقر وحتى انتشار الأمراض والأوبئة، وكان يجبر أجهزة الدولة على نشر معلومات غير صحيحة لتلميع صورته، وعندما جاءت الحكومة الحالية قامت بنشر الأرقام الفعلية لحجم الفقر ومعدل التنمية، وحتى مدى انتشار الأمراض والأوبئة.

العبيدي: وسائل إعلام المعارضة لا تنشر أي إنجاز للحكومة مهما بلغت أهميته (الجزيرة)

وحسب العبيدي فإن صحافة المعارضة تعاملت بأسلوب غير مهني مع الأمر، واتهمت الحكومة الجديدة بجلب الفقر والأمراض لتونس، ولم تحمل نظام بن علي الذي حكم البلاد لأكثر من عقدين أي مسؤولية.

وخلص إلى أن وسائل إعلام المعارضة التي تتربص للحكومة دائما، بحق أو من دون وجه حق، تتعمد عدم نشر أي إنجاز للحكومة، مهما بلغت أهميته الوطنية.

فلتان إعلامي
ورغم سعادة عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين منجي الخضراوي "بالحرية" التي يتمتع بها الصحفيون ببلاده، بعد سنوات طويلة من القمع والتنكيل، وتحطيم كل الخطوط الحمراء والمحظورات، لا ينكر وجود حالة "انفلات" بالوسط الصحفي.

واعتبر البعض -على حد قوله- أن الحرية تسمح له بالنيل من أعراض الآخرين، واستخدام الإعلام أداة لبث العنف وتهديد الآخرين وزرع بذور الفتنة والتفرقة بين أفراد المجتمع، محذرا من أن الحرية بمجتمع غير ديمقراطي قد تؤدي لخرابه وتدميره.

ودفعت حال الفلتان هذه-حسب الخضراوي- أهل الخبرة وفي مقدمتهم نقابة الصحفيين لمحاولة إعادة ترتيب المشهد، بما يضمن المحافظة على مكتسبات الثورة، ولذلك وضعت القوانين الضابطة والمنظمة للعمل الصحفي المرئي والمسموع والمقروء، بما يضمن حرية الصحافة التي كانت أهم مكتسبات الثورة.

لكنه أكد أن الحكومة الحالية بزعامة حركة النهضة رفضت إقرار هذه القوانين، وحاولت فرض سيطرتها على الجسم الصحفي، وهو ما رفضه الصحفيون.

الخضراوي: الحكومة الحالية حاولت فرض سيطرتها على الجسم الصحفي (الجزيرة)

وردا على اتهام الحكومة لبعض وسائل الإعلام المعارضة بأنها كانت أداة تطبيل للنظام السابق، قال الخضراوي إن الحكومة الحالية جاءت برموز نظام بن علي، ووضعتهم على رأس كبريات وسائل الاعلام الوطنية والمقروءة والمسموعة والمرئية، لأنها تعرف بأن هذه الفئة هي الأقدر على تنفيذ سياسة السمع والطاعة، وأكد أن الكثير من "المطبلين" لهذه الحكومة هم الذين كانوا يطبلون لبن علي.

غياب الضوابط
واتهم الحكومة أيضا باتباع سياسة بن علي نفسها باستقطاب وسائل الإعلام، وشراء الذمم والولاءات من خلال توزيع الإعلانات الرسمية على وسائل الإعلام المقربة منها والمحسوبة عليها، وحرمان من يخالفها الرأي.

بدوره عزا الأستاذ بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار الدكتور العربي شويخة الحالة التي يعيشها المشهد الإعلامي بتونس لما أسماه "حال التناقض" الناجمة عن انتقال الصحفيين التونسيين من حالة قمع استمرت أكثر من نصف قرن، "لعهد حرية" تنفسوها بعد سقوط النظام السابق.

لكن شويخة قال إن هذه الحرية مورست دون تقنين أو ضوابط ودون تشكيل ثقافة ديمقراطية، وعزى ذلك لعدة عوامل، منها غياب الإرادة السياسية لتفعيل إطار قانوني لتطوير مهنة الإعلام، وغياب آليات التعديل الذاتي، متمثلة بافتقار وسائل الإعلام لخط تحريري واضح، وغياب الأدوات التحريرية ومجالس التحرير.

أما العامل الثالث، الذي يحتاج لوقت، فهو إعادة النظر في تكوين الصحفي من الجانب الأخلاقي والثقافي.

ورفض شويخة تحميل الصحفيين وحدهم مسؤولية الخطورة التي قد تلحق بالمجتمع جراء الممارسة الصحفية الحالية، وقال إن أصحاب وسائل الإعلام والقائمين عليها والسياسيين هم الذين يتحملون المسؤولية الكبرى.

المصدر : الجزيرة