مقبرة لامبيدوزا العامة ضمت رفات معظم لاجئي القوارب الغرقى (الجزيرة)

 خالد شمت-لامبيدوزا

دخلت جزيرة لامبيدوزا الإيطالية دائرة الأضواء بشكل متزايد منذ أن أصبحت عام 1998 مقصدا لقوارب اللاجئين الموصوفين بـ"غير الشرعيين" الذين يسعون للدخول عبرها إلى أوروبا "جنة أحلامهم" فانتهى المطاف بكثير منهم إلى أعماق البحر أو أرقام في المقبرة العامة للجزيرة.

وتزايد الاهتمام بهذه الجزيرة المتوسطية بعد تكرار حوادث غرق قوارب المهاجرين القادمين إليها بالفترة الأخيرة من ليبيا، وقدرت منظمات حقوقية عالمية معنية بحقوق الإنسان واللاجئين عدد من لقوا حتفهم بمياه البحر المتوسط من هؤلاء اللاجئين خلال العشرين سنة الأخيرة بأكثر من 19 ألف شخص.

وتبلغ مساحة لامبيدوزا عشرين كيلومترا ولا يتجاوز عدد سكانها خمسة آلاف نسمة، وكانت في الماضي مجرد سجن ومنفي للأشقياء، تعاقب عليها سكان عديدون منهم اليونانيون والرومان والبيزنطيون والعرب الذين تدلل الحفريات التاريخية والآثار الموجودة بالجزيرة بداية توافدهم عليها منذ عام 812.

ورغم أن لامبيدوزا جزيرة إيطالية فإنها تعد أقرب إلى تونس وتقع على مسافة 130 كيلومترا منها، بينما تبعد عن أقرب نقطة من جزيرة صقلية الإيطالية 205 كيلومترات. ويعتمد سكانها حاليا في معاشهم بشكل رئيسي على صيد الأسماك والسياحة القادمة في معظمها من إيطاليا، حيث صنفت مجلة "ناشونال جيوغرافيك" العالمية شاطئ الجزيرة المسمى بـ"شاطئ الأرانب" كأفضل شاطئ رملي بالعالم هذا العام.

عشرين كيلومترا مساحة لامبيدوزا التي تبعد 130 كيلومترا عن تونس (الجزيرة)

اهتمام
وبدأ الاهتمام الحديث بالجزيرة الإيطالية بعد محاولة فاشلة قام بها العقيد الليبي الراحل معمر القذافي لقذفها بصاروخي سكود عام 1986 عقب الهجوم الأميركي على ليبيا. وفي عام 1989 بدأت موجات قوارب اللاجئين القادمين من شمال أفريقيا بالتوافد على لامبيدوزا للوصول عبرها إلى أوروبا.

وتزايدت موجات رحلات هذه القوارب بشكل مضطرد سنويا، وتشير تقديرات المفوضية الأممية للاجئين إلى أن عدد اللاجئين الذين وصلوا الجزيرة عام 2003 تجاوز ثمانية آلاف شخص، وفي السنة التالية 13 ألفا، وعام 2005 أكثر من عشرين ألف لاجئ.

وعقب ثورات الربيع العربي سجلت موجات قوارب اللاجئين القادمين من شمال أفريقيا معدلا قياسيا، وتعدى عدد ركابها ثمانين ألف شخص، جاء ثلاثون ألفا من تونس وخمسون ألفا من ليبيا.

وفي الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وقعت أكبر حوادث قوارب اللاجئين بغرق قارب قادم من ليبيا وعلى متنه أكثر من خمسمائة لاجئ إريتري وصومالي، بعد احتراقه عقب محاولة قائده لفت أنظار خفر السواحل بإشعال النار في قطعة قماش كبيرة.

لم ينج من هذه الكارثة إلا 155 لاجئا رُحل جزء منهم إلى معسكرات لجوء بمدن إيطالية أخرى وبقي كثيرون في لامبيدوزا. وبعد هذا الحادث زار الجزيرة عدد من السياسيين والشخصيات العالمية مثل رئيس المفوضية الأوروبية، وبابا الفاتيكان الذي أقام قداسا بملعب الجزيرة.

مقبرة السفن الغارقة بقلب لامبيدوزا تجسد مأساة اللاجئين الذين حلموا بأوروبا (الجزيرة)

موتى ومنظمات
وفي الـ11 من الشهر الماضي تكررت حوادث غرق القوارب بعد إطلاق البحرية الليبية نيرانها على قارب يحمل نحو أربعمائة لاجئ فأغرقته بين سواحل لامبيدوزا ومالطا التي تمكنت بحريتها من إنقاذ 206 ركاب بينما اعتبر بقية اللاجئين بعداد المفقودين.

وفي كلا الحادثين تسلمت السفارة الصومالية بإيطاليا جثث مواطنيها الغرقى ودفنتهم بالمقبرة الإسلامية في روما، وأشرف المركز الإسلامي بمدينة كاتانيا على تسلم ودفن لاجئين سوريين وفلسطينيين تم التعرف عليهم، ودفن القسم المتبقي والأكبر من الضحايا بمقبرة لامبيدوزا العامة.

وجذبت موجات لاجئي القوارب المتدفقة من ليبيا وتونس ومصر أربع منظمات بمجالات حقوق الإنسان ومساعدة اللاجئين للعمل في لامبيدوزا. وتعمل مفوضية الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين والصليب الأحمر ومنظمة المهاجرين الدولية بالجزيرة الإيطالية منذ عام 2006، وبدأت منظمة "أنقذوا الأطفال" العمل هناك عام 2008.

وإضافة إلى هذه المنظمات العاملة بمقتضى اتفاق مع السلطات الإيطالية، تنشط بالعمل في لامبيدوزا بشكل غير رسمي منظمتا "كاريتاس" الكنسية الكاثوليكية و"نحو مجتمع منفتح" التابعة لرجل الأعمال الأميركي ذي الأصل المجري جورج سورس والمتخصصة بمجال دراسات تحليل أوضاع اللاجئين.

وتمثل ما يطلق عليها "مقبرة القوارب" المكونة من هياكل وبقايا مئات القوارب السليمة والمحطمة بوسط الجزيرة، ما يشبه متحفا أو نصبا تذكاريا يروي لزائري الجزيرة مآسي من غرقت بهم هذه القوارب بعرض البحر، وقصص من وصلت بهم إلى شاطئ لامبيدوزا حاملين معهم ذكريات أليمة لن تمحيها السنون.

المصدر : الجزيرة