البارزاني بات أهم زعيم كردي بعد تولي الطالباني رئاسة العراق واستمرار سجن أوجلان بتركيا (الأوروبية)

في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2005 أعلن مسعود البارزاني أول رئيس لإقليم كردستان العراق عبر اقتراع برلماني، ليعاد انتخابه لاحقا في 2009 بناء على تصويت شعبي، وهو ما جعله يتصدر المشهد الكردي ويبرز لاعبا سياسيا هاما في العراق والمنطقة بشكل عام.

لكن هذا التطور لم يكن صدفة، بل جاء تتويجا لحقبة طويلة من العمل السياسي والميداني، ونتيجة طبيعية لعوامل تاريخية وعائلية دفعت بالرجل لقيادة ما كان يعدها نواة لدولة الأكراد.

أبصر البارزاني النور يوم 16 أغسطس/آب 1946 بمدينة "مهاباد" في شمال غرب إيران، التي أسس فيها الأكراد أول دولة في تاريخهم عقب الحرب العالمية الثانية بدعم من الاتحاد السوفياتي السابق،  واستمرت لأقل من عام واحد فقط قبل أن يقضي عليها شاه إيران في حينه ويعدم قياداتها، في حين تمكن وزير دفاعها مصطفى البارزاني الذي كان جاء من دياره في شمال العراق ليسهم في تأسيسها من الهرب إلى موسكو.

ومن المصادفات أن البارزاني الابن ولد في اليوم نفسه الذي أعلن فيه قيام تلك "الجمهورية" وتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني على يد والده قبل أن يرأسه هو لاحقا لعقود عدة.

وبعد انهيار "جمهورية مهاباد" أعيد مسعود الطفل مع عائلته ومجموعة من المقاتلين الأكراد العراقيين "البشمركة" إلى العراق.

بعد إسقاط الحكم الملكي وتأسيس النظام الجمهوري في العراق عام 1958، عاد مصطفى البارزاني إلى العراق، حيث عاملته بحفاوة الحكومة العراقية آنذاك، ومنح منصبا شرفيا، لكنه عاد في العام 1961 للتحرك المسلح الذي طالما مارسه من قبل ضد الحكومة المركزية، فغادر مسعود مقاعد الدراسة في بغداد والتحق بأبيه وهو في السادسة عشرة من عمره، ولعب فيما بعد دورا مهما في حركات الأكراد المسلحة حتى العام 1975، حينما انهار ما كان يوصف بـ"التمرد" المسلح للأكراد في العراق.

طيلة شبابه كرّس البارزاني جهوده لتأسيس كيان كردي، فقد عمل من أجل الحكم الذاتي والانفصال قبل أن يجنح للحل الفدرالي الذي عده أكثر واقعية بالنظر لتعقيدات المنطقة.

الحزب والمعسكر
بعد أن أمضى سنوات في معاقل "البشمركة، اتجه البارزاني للعمل السياسي، وانتخب في 1971 عضوا باللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني، ثم عضوا بالمكتب السياسي ورئيسا للمؤسسة الأمنية.

طيلة الحقبة من 1971 حتى 1990 حضر البارزاني بشكل لافت في المشهد الكردي وساهم في إنشاء كيانات عسكرية وسياسية

وبعد ما يسميها الأكراد نكسة أيلول إثر توقيع اتفاقية الجزائر بين شاه إيران والحكومة العراقية عام 1975، تولى البارزاني وشقيقه إدريس تنظيم صفوف البشمركة وتأسيس قيادة مؤقتة للحزب الديمقراطي الكردستاني بدعم من والدهما ملا مصطفى.

أقام البارزاني بأميركا من العام 1976 حتى 1979 مرافقا لوالده الذي هرب من العراق إلى إيران ثم الولايات المتحدة بعد اتفاقية الجزائر، وأشرف هناك   على علاجه ليعود بعد وفاته إلى العراق حيث انتخب رئيسا للحزب الديمقراطي الكردستاني.

وطيلة الحقبة من 1971 حتى 1990 حضر البارزاني بشكل لافت في المشهد الكردي، وساهم في إنشاء العديد من الكيانات العسكرية والسياسية التي ناصبت الحكم المركزي في بغداد العداء.

وفي أبريل/نيسان 1991 ترأس وفدا يتألف من جميع أحزاب الجبهة الكردستانية للتفاوض مع الحكومة المركزية ببغداد حول الحكم الذاتي، ولكن المباحثات لم تتوصل لحل يرضي الأكراد.

الحرب والزعامة
وبحلول 1992 وفيما كانت المحافظات الكردية الثلاث تعيش وضعا شبه مستقل عن بغداد بحماية غربية، دخلت القضية الكردية بالعراق منعطفا جديدا، إثر إجراء انتخابات بالإقليم أسفرت عن فوز الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه البارزاني بـ48% من الأصوات، مقابل 45% لغريمه الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني.

الصراع بين حزبي الطالباني والبارزاني  أدى لنشوب حرب أهلية كردية خلفت مئات القتلى

وأرغمت النتائج المتقاربة الحزبين على إبرام صفقة لتقاسم السلطة والمناطق، حيث يسيطر البارزاني على أربيل ودهوك، فيما يسيطر الطالباني على السليمانية، وفي الوقت نفسه غرس هذا الواقع بذورا لحرب ضروس نشبت بينهما في وقت لاحق.

فبعد عامين من الصراع على عائدات الإقليم، اندلع قتال بين الحزبين في مايو/أيار 1994 أدى لسقوط أكثر من 1000 قتيل، وهو ما دفع بالولايات المتحدة للتدخل لوقف القتال.

لكن الحزبين خاضا حربا أخرى انطلقت شرارتها في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وأدت لسقوط أكثر من 500 قتيل، قبل أن تتدخل أميركا مجددا في أبريل/نيسان 1995 لإنجاز تسوية لم تعمّر طويلا، حيث نشب القتال من جديد لتقتحم قوات حزب الاتحاد الوطني بزعامة جلال الطالباني مدينة أربيل في أغسطس/آب 1996، مما دفع مسعود البارزاني لطلب المساعدة من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لنجدته، فأرسل الأخير وحدة من الحرس الجمهوري طردت الطالباني وقواته وأعادت البارزاني الذي كان هرب إلى الجبال قبل أن تنسحب.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2002 توصل الحزبان لاتفاق دائم، حيث حضر البارزاني والطالباني للبرلمان الكردي ووجها اعتذارا لأسر ضحايا الحرب الأهلية، إلى أن تعززت علاقتهما بعد الغزو الأميركي للعراق في 2003.

وبعد تولي جلال الطالباني رئاسة العراق في أبريل/نيسان 2005 واستمرار سجن زعيم حزب العمال الكردستاني بتركيا عبد الله أوجلان، بات البارزاني أهم شخصية كردية تنشط في الشرق الأوسط، وأصبح فاعلا أساسيا في أزمات وقضايا المنطقة.

وقد عكست زيارته قبل أيام لتركيا رمزيته لكل أكراد المنطقة من جهة، ورغبته في وضع حد للعداء مع دول المنطقة من جهة أخرى، حيث شجع مساعي الحكومة التركية لتحقيق المصالحة مع الأكراد وحث الجانبين على الانخراط في السلام.

المصدر : وكالات,الجزيرة,مواقع إلكترونية