مراقبون أكدوا أن مطالب الكنيسة مقامرة بمصالحها وقبولها المجتمعي على المدى الطويل (الأناضول)

أنس زكي-القاهرة

مع اقتراب انتهاء عملية تعديل الدستور في مصر، عاد الجدل ليتجدد بشأن مواد الهوية الإسلامية في الدستور، وعاد معه الشد والجذب بين ممثلي الكنيسة وحزب النور ذي التوجه السلفي ومعه الأزهر في ظل مشهد مرتبك لا تتضح تفاصيله، ناهيك عن المصير الذي سينتهي إليه. 

وفي ظل حصانة تبقى قائمة للمادة الثانية التي تنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، فقد تركز جدل الأسابيع الماضية حول المادة 219 التي كانت تفسر المادة السابقة وتنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة".

وطالب ممثلو الكنيسة صراحة بحذف المادة، بل لم يجد أحدهم غضاضة في الإفتاء بأنها "لا تعبر عن الدين الإسلامي". وفي المقابل لم يتمكن حزب النور الذي يمثله عضو وحيد في اللجنة المكونة من خمسين عضوا من الدفاع عن المادة التي كان هو نفسه وراء تضمينها في دستور 2012 المعطل، وانتهى الأمر برضوخه لما بدا أنه يمثل اتجاها عاما داخل اللجنة.

لكن الكنيسة عادت مجددا لتثير أزمة عبر ممثليها بعدما تمسكت بالنص على مدنية الدولة في ديباجة الدستور وهو الأمر الذي رفضه النور الذي حظي هذه المرة بمساندة الأزهر، علما بأن الاثنين كانا من بين القوى التي أيدت الخارطة السياسية الجديدة التي أعلنها وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو/تموز الماضي، وتضمنت تعطيل الدستور وعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي.

بكار أقر بأن حزبه لم يتمكن من الدفاع عن مواد الهوية الإسلامية بالدستور (الجزيرة)

تقليل الخسائر
وتحدثت الجزيرة نت إلى القيادي في حزب النور نادر بكار الذي أقر بأن حزبه لم يتمكن من الدفاع عن مواد الهوية الإسلامية في الدستور بالشكل الذي كان يتمناه، لكنه أرجع ذلك إلى طبيعة تشكيل اللجنة، وقال إن موقفنا في اللجنة كما هو الموقف من الخارطة السياسية يتمحور حول تقليل الخسائر أكثر منه لتحقيق المكاسب.

وعن إنجازات الحزب داخل لجنة الدستور، قال بكار إنها تقتصر حتى الآن على استبعاد كلمة "مدنية" من المادة الأولى وكذلك استمرار قصر حق أداء الشعائر الدينية على أصحاب الديانات السماوية، مضيفا أن هذا ما أمكن تحقيقه، موضحا أن الحزب لن يكون ملزما بالتصويت بنعم على الدستور لأنه لن يستطيع إقناع قواعده بأشياء غير مقنعة لقياداته.

وتحفظ بكار في التعليق على دور الكنيسة، واستغرب هجومها على حزب النور والأزهر، وقال إن الأخير يجب أن يرد على اتهامه بالخداع من جانب ممثلي الكنيسة.

زهران: الكنيسة تحاول التمدد في الفراغ الذي نتج عن إبعاد الإخوان (الجزيرة)

استشعار القوة
ويعتقد الباحث المتخصص في شؤون حركات الإسلام السياسي مصطفى زهران أن المواقف الأخيرة لممثلي الكنيسة بشأن مواد الهوية في الدستور تمثل استمرارا لما استشعرته الكنيسة من أنها استعادت قوتها عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، وما صاحبه من استهداف لقوى الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وحتى التيار السلفي.

وأضاف زهران للجزيرة نت أن الكنيسة تحاول التمدد في الفراغ الذي نتج عن إبعاد جماعة الإخوان، خصوصا أن أيا من مؤسسة الأزهر أو حزب النور لم يستطع ملء هذا الفراغ بعد أن باتا محسوبين بشكل أو بآخر على الخارطة الجديدة التي أيداها وشاركا في رعايتها، وبالتالي فلم يعد من الوارد أن يتصادما مع الكنيسة التي كانت هي الأخرى شريكة لهما في رعاية هذه الخارطة.

ومن جانبه، لاحظ نائب رئيس حزب التغيير علاء الروبي أن الكنيسة دأبت على مهاجمة مواد الهوية بطريقة فيها "تجاهل متعمد لتركيبة المجتمع المصري الذي يمثل المسلمون أكثر من 90% من أعضائه، وهو ما بدأ خلال عملية إقرار الدستور المعطل الذي وافق عليه ثلثا المصريين، ثم أصبح جليا بدعم الانقلاب على الرئيس المنتخب عبر حشد مكثف وعلني".

وأضاف الروبي، وهو أستاذ في جامعة القاهرة، للجزيرة نت، أن الكنائس الثلاث بدت متحمسة منذ بدء عملية تعديل الدستور للحصول على أكبر قدر من الامتيازات في هذه العملية، لكن المثير أن تركيزهم انصب على مواد الهوية الإسلامية، وسعوا بشكل جاد وعلني لصياغتها وفق رؤيتهم مستغلين دورهم الكبير في دعم الانقلاب، وكذلك غياب تمثيل مناسب لقوى التيار الإسلامي في لجنة الدستور.

وذكر الروبي أنه يعتقد أن الكنيسة المصرية "تقامر بمصالحها وقبولها المجتمعي على المدى الطويل"، مضيفا أن الدعم الغربي أو السلطوي قد يفيد على المدى القريب أو المتوسط لكنه لن يمنع من خسائر بعيدة المدى تتعلق بالعلاقة مع المجتمع، والتي لا تصوغها المؤسسات أو الجهات الرسمية وإنما يشكلها الواقع والمعايشة بين أبناء الشعب الواحد.

المصدر : الجزيرة