محمد الناعوري-ريف إدلب

سجل القطاع الزراعي السوري اسمه على رأس لائحة ضحايا الصراع الذي يعصف ببلاد الشام منذ نحو ثلاث سنوات، ولكن خوف مزارعي القطاع مزدوج، خوف على أسرهم من قصف طائرات ودبابات النظام، وخوف آخر على أراضيهم ومحاصيلهم من ممارساته.

وتشكو المدن السورية -التي كانت مشهورة بخصوبة أراضيها ووفرة محاصيلها وجودتها- عقمها وبُعد أصحابها عنها، وعدم اهتمامهم بها.

ويقول المزارعون إن الجيش النظامي يعمد إلى حرق المحاصيل الزراعية بالأرياف ليعاقب أهلها على احتضانهم للثوار، فيحاصرهم غذائيا ويجوعهم، ثم يقطع موارد رزقهم ليجبرهم على الخضوع, فلم تسلم منطقة بأرياف حماة وحلب واللاذقية من تدمير محاصيلها.

ويشير الحاج أديب من قرية اللطامنة بريف حماة إلى أن الحقول كانت ملجأ الناس عند مداهمة عناصر النظام لهم لذلك قام الجيش بحرقها، بهدف محاصرة القرية، والقضاء على مصدر رزق أهلها الذين يعمل أغلبهم بالزراعة.

أمان قاتل
أبو ياسر له قصة معاناة مع حواجز النظام، تختصر قصص أهل قرية "مورك" بريف حماة، فيقول "جاء موسم حصاد الفستق الحلبي والأراضي محاصرة بحواجز النظام، فلم يجد الناس خياراً إلا أن يستأذنوا العناصر من أجل الحصاد فوافقوا وأعطوهم الأمان, وحين ذهبوا ليحصدوا محصولهم، استهدفهم القناصة، وقتلوا أكثر من شخص، ليوصلوا لهم رسالة مفادها أنكم ممنوعون من كل شيء حتى أملاكم الخاصة".

السوريون يقطعون الأشجار للتدفئة بسبب غلاء المازوت (الجزيرة)

تدمير المحاصيل والغطاء الأخضر لا يهدف فقط إلى الضغط على الناس من خلال أراضيهم, وأيضا خوفا من تسلل الثوار إلى حواجزه التي اتخذها على أطراف القرى بين الحقول.

ومن الشواهد على ذلك قرية اللطامنة في ريف حماة، ومن قبلها أحراش حيي التعاونية والصابونية وبساتين حي الحميدية بمدينة حماة التي تحولت إلى أرض قاحلة محصنة بالرشاشات والسواتر الرملية بعد أن كانت حدائق ومتنزهات.

وواجهت غوطتا دمشق المصير نفسه مما دفع الكثير من الأهالي إلى النزوح وترك أراضيهم خوفاً من القصف والاشتباكات، وتكرر ذلك في جبل الأكراد وجبل التركمان بريف اللاذقية التي تتعرض لقصف يومي وإبادة لغاباتها، وكل ذلك بهدف كشف مواقع الثوار حتى أصبحت سياسة الأرض المحروقة عنوان أي حملة عسكرية وأمنية يشنها عناصر النظام، وفق وصف أحد سكان اللطامنة.

مأساة الأراضي
الأرياف والمناطق التي كانت تكتفي ذاتيا بمحاصيلها قبل الثورة، هجر الكثير من السكان أراضيهم بسبب القصف أو الحرق أو صعوبة العناية بها، ناهيك عن ارتفاع أسعار الوقود الذي تعمل عليه محركات الري، حيث ارتفع سعر لتر المازوت من سبع ليرات قبل الثورة إلى 125 ليرة بالمناطق المحررة.

وما زاد مأساة الأراضي، اضطرار الناس إلى قطع الأشجار واستخدامها كحطب للتدفئة بدلاً من المحروقات فتحولت كثير من الغابات والأحراش إلى أراض فارغة، فما سلم منها من الحرق استهلكه أصحابه لتدفئة أبنائهم.

كل هذا أدى إلى تضاعف أسعار المنتجات في ظل الصراع الدائر، فبعضها وصل إلى  أربعة أو خمسة أضعاف سعره ما قبل الثورة، فثمن طن طحين الخبز كان عشرة آلاف ليرة أما اليوم يبلغ مائة ألف بسبب نقص المحاصيل وصعوبة إدخال المواد إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

كما فقدت بعض المنتجات من الأسواق كليا، بعدما تضررت المدن التي كانت تنتج هذه السلع، مثل قرية كفرزيتا التي تعرف بزيتونها، وسهل الزبداني في ريف دمشق الذي يعرف بتفاحه الأخضر.

المصدر : الجزيرة