مقاتلون من جبهة النصرة قرب مطار النيرب في حلب (الجزيرة-أرشيف)
 
محمد النجار-عمّان

على وقع الرسائل المتبادلة بين مراجع تنظيم القاعدة والتيار السلفي الجهادي بشأن الدولة الإسلامية في العراق والشام، وجبهة النصرة لأهل الشام اللتين تقاتلان في سوريا، جاء الكشف عن الرسالة الأخيرة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وهي النسخة الصوتية للرسالة التي كشف عن مضمونها في يونيو/حزيران الماضي.

وتعود جذور الخلاف إلى مطلع العام الجاري عندما دخلت دولة العراق الإسلامية على خط الثورة السورية، قبل أن يعلن أميرها "أبو بكر البغدادي" ضم الشام إلى العراق في دولته، ودعوته لأمير جبهة النصرة أبو محمد الجولاني للانضمام للدولة. وأدى هذا الضم لإرباك المشهد السوري خاصة لدى جبهة النصرة، التي انتقلت قيادات وعناصر كثيرة من صفوفها إلى صفوف "الدولة" ومبايعة البغدادي.

لكن الجولاني خرج وقتها برسالة أعلن فيها ضمنيا رفضه مبايعة البغدادي، وأعلن ولاء الجبهة لتنظيم القاعدة وزعيمه أيمن الظواهري، وظهر الأخير في رسالة مكتوبة قبل خمسة أشهر، ثم صوتية قبل يومين أعلن فيها إلغاء ضم الشام لدولة العراق الإسلامية، وأكد على بقاء النصرة في سوريا باعتبارها ذراع القاعدة هناك.

وأعلن أبو بكر البغدادي رفضه إلغاء ضم الشام لدولة العراق الإسلامية، ليدشن ما اعتبره خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية انشقاق "الدولة" عن تنظيم القاعدة الذي بات يمثله في سوريا جبهة النصرة.

وزاد من هذا الاعتقاد لدى المراقبين لشأن القاعدة وتيارات السلفية الجهادية ما وصف بـ"حرب الرسائل" بين قياداتها ومنظريها، عوضا عن التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات من قبل أتباع هذا التيار.

الظواهري ألغى الدولة الإسلامية في العراق والشام وطالب البغدادي بقيادة تنظيم العراق(الجزيرة-أرشيف)

رسائل
وكان أبرز الرسائل وأكثرها ضجة رسالة عمر مهدي زيدان، وهو أحد شيوخ السلفية الجهادية في شمالي الأردن والذي دعا بشكل لافت زعيم القاعدة أيمن الظواهري لمبايعة أمير دولة العراق والشام أبو بكر البغدادي.

تلا رسالة زيدان جدل صاخب في صفوف التيار، كان أبرزه ما جاء في رسالة لمنظر التيار السلفي الجهادي الشيخ أبو محمد المقدسي -المعتقل في السجون الأردنية- الذي رد على ما جاء في رسالة زيدان، لدرجة أن المقدسي تساءل عن كيفية الطلب من "القائد" أن يبايع "جندي عنده"، في إعادة توصيف للعلاقة بين البغدادي "الجندي" والظواهري "القائد"، بحسب رسالة المقدسي.

ذات الأمر جاء في رسالة أبو قتادة الفلسطيني وهو أحد أبرز مراجع السلفية الجهادية والمسجون حاليا لدى الأردن الذي تسلمه من بريطانيا قبل أربعة أشهر، حيث تحدث أبو قتادة بإسهاب عن الخلاف بين "المجاهدين في أرض الشام"، واعتبر أنه "أصل الفساد".

ودفع هذا الموقف أنصار الدولة في صفوف التيار السلفي الجهادي لانتقاد أبو قتادة واعتبار أنه "مسجون لا يؤخذ بفتواه"، وانتقدوا بشدة عدم انتصاره للبغدادي على حساب الجولاني. وانتقل الخلاف من رسائل منظري التيار والقاعدة إلى أتباعهما في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات والمدونات التي توصف بـ"الجهادية".

واللافت كان أن مناصري "الدولة" في هذه المواقع جميعا ظهروا بمظهر المؤيد للبغدادي باعتباره أمير المؤمنين، ومخالفين للمقدسي وأبو قتادة وإن كان خلافهم معهم يبتدئ عادة بـ"الثناء" عليهم وعلى "علمهم وفضلهم ومؤلفاتهم".

غير أن اللغة كانت أكثر حدة في وصف الجولاني، فقد نشرت إحدى المدونات المؤيدة للدولة تغريدات قالت إنها لشاهد على اجتماع قالت إنه عقد بين البغدادي والجولاني قبل إنشاء جبهة النصرة. ووصف الشاهد الجولاني بـ"المنشق"، فيما ظهر في مدونات وتغريدات أخرى التعقيب بعد اسم الجولاني بـ"هداه الله وغفر له"، في إشارة واضحة على النظرة للجولاني من قبل مؤيدي الدولة.

في المقابل يذهب مناصرون لجبهة النصرة لاعتبار أن "الدولة" لم تعد تحمل من "القاعدة" شيئا، بل إن أحد المعتقلين السابقين من قيادات التيار السلفي الجهادي ذهب للتشكيك بالدولة ومن يقف خلفها.

وعلى الرغم من هذا الجدل المحتدم عبر الرسائل وفي وسائل الإعلام فإن الواقع على الأرض في سوريا لم يسجل أي خلاف ظاهر بين الطرفين، بل إن "الدولة" و"الجبهة" اشتركتا في جبهات عدة وما زالتا، وهو ما يؤشر لاتفاق غير معلن بين الطرفين لتحييد الخلاف على التبعية بينهما عن القتال لإسقاط النظام السوري.

محمد أبو رمان : الخلاف الحالي جولة جديدة من الخلاف بين أتباع الأمير السابق للقاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي ومرجعيات تنظيم القاعدة والتيار الجهادي

جولة خلافات
ويرى الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية الدكتور محمد أبو رمان أن الخلاف الحالي جولة جديدة من الخلاف بين أتباع الأمير السابق للقاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي ومرجعيات تنظيم القاعدة والتيار الجهادي.

وقال للجزيرة نت "نحن نعيش جولة جديدة بين خطي المقدسي والزرقاوي والذي احتدم في رسائل متبادلة بين الرجلين قبل مقتل الزرقاوي عام 2006".

وبرأي الباحث -الذي أعد مؤخرا دراسة مطولة عن الجماعات الإسلامية في سوريا- فإن التعبير اليوم أوضح في الخلاف بين خط الزرقاوي الذي يمثله البغدادي، وخط الظواهري الذي يمثله الجولاني في سوريا، ويلفت أيضا إلى ما وصفه بـ"المناكفات" التي كان يقوم بها الزرقاوي لقيادة القاعدة أثناء قيادته من قبل أسامة بن لادن.

واعتبر أبو رمان أن الرسائل الأخيرة دشنت عمر مهدي زيدان باعتباره مرجعا مؤيدا لخط دولة العراق والشام ولإمارة أبو بكر البغدادي ووجوب البيعة له "باعتباره أمير المؤمنين القرشي الحسيني". وفي المقابل يرى أن منظري التيار وقياداته وخاصة في الجناح الأردني يؤيدون خط جبهة النصرة التي يقودها الجولاني، حيث يرى هؤلاء جميعا في "جبهة النصرة" تصحيحا لمسار القاعدة في العراق والذي توج بإعلان "الدولة" بعد مقتل الزرقاوي.

المصدر : الجزيرة