حكايات الجدة لحفيداتها عن تراث الوطن الفلسطيني ضمن فعاليات "تراثي هويتي" (الجزيرة نت)

عاطف دغلس-نابلس

"كان إلنا أرض وكان إلنا حقل، وكان إلنا ساحة وفي الساحة كانون نار، وفي بلدنا يا ناس إلنا طابون ودالية وحلال، وعاشوا أهلنا وجيرانا في بلدهم وما فارقوها لحظة وحدة، لأنه ترك الوطن عار".

ليست هذه الكلمات سوى جزء من "حدودة ستي الحجة" (حكاية جدتي) التي تلقيها الطفلة مرح عاصم (9 أعوام) على مسامع الزائرين لقرية التراث "تراثي هويتي" في بلدة حبلة قرب مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية، وتطربهم بها.

وفي مشهد يقترب من الواقع أقامت بلدة حبلة في مدرسة الإناث قرية "التراث الفلسطيني" مجسدة بأدوات تراثية مختلفة، وبالتمثيل المباشر والحي لهذا التراث أدته الطالبات بإتقان وباللباس التقليدي واللكنة المطلوبة كالتحنين (أغاني وداع للحجاج) و"حناء العروس" وغيرها.

تجلس مرح عاصم بثوب أبيض والفتيات من حولها لسماع قصتها، فهي الجدة التي تروي لحفيداتها وصديقاتهن حكاية وطنها بكل ما فيه من حلو ومر، وتمر بحالهن لتنتهي الحكاية بلفت انتباههن وتحذيرهن من "التفريط" بأي شبر من الوطن.

وبينما تروي مرح حكايتها، يتناهى إلى مسامع الزائرين صوت الزغاريد والطبل، فبعض الطالبات وقع عليهن دور العرس الفلسطيني بتقليده البسيط، لا سيما حفل "حناء العروس".

القرية التراثية جسدت الواقع بكثير من الفعاليات كان بينها خبز الطابون (الجزيرة نت)

تراث حيّ
تقول مديرة المدرسة تغريد الديك إن "القرية التراثية تأتي ضمن فعاليات يوم التراث الفلسطيني التي بدأت أمس الاثنين وتستمر عدة أيام، وتميّزت باحتوائها على أدوات التراث وتعريف الناس بها عن قرب، بفعاليات حية ومباشرة".

وتضيف أن الأهم أنها أقيمت داخل مدرسة القرية التي يحاصرها جدار الفصل العنصري منذ عشر سنوات، "وبهذه القرية انتصرنا على الاحتلال والجدار".

وكان أيضا للأغاني القديمة حضور لافت ومميز، لا سيما تلك الأغاني التي تصاحب مناسبات مختلفة كوداع الحجاج واستقبالهم وأخرى للمولود الجديد وثالثة تُنشد وقت الحصاد.

وشاركت تسنيم خروب (11 عاما) مودعة الحجاج بأغنية قائلة "بعود القرفة زينوا باب الحرم، بعود القرفة، ولما إنا نلفي بيتنا على بيتهم، لما إنا نلفي".

وارتدت الفتيات المشاركات ثيابا تقليدية بما يتناسب وطبيعة الدور، الأمر الذي أضفى جمالية على الحدث.

وحضرت الأكلات والألعاب الشعبية بقوة، إضافة إلى الزي الفلسطيني بمختلف أشكاله، واجتمع ذلك كله في البيت الفلسطيني الذي عرف بعمرانه المعهود وبتراثياته المختلفة.

احتلال التراث
أما التحدي الأكبر وفق مها جبر -وهي من منسقي الفعالية- فقد كان تنظيمها قرب جدار الفصل العنصري الإسرائيلي الذي لا يبعد عنها أكثر من خمسين مترا، "فقد اخترقت أصوات الزغاريد والأغاني ذاك الجدار واعتلت فوقه رائحة الخبز المشوي".

مدرسة قرية حبلة تتحدى الجدار العازل
المحيط بها من كل جانب
(الجزيرة نت)

ويقول وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية موسى أبو غربية الذي حضر الافتتاح إن هذه القرية التراثية تؤكد أن الفلسطيني صامد وثابت على أرضه ويدافع عن تراثه، "وأن الاحتلال مهما تصنّع فلن يفلح بممارسة هذه الطقوس الثقافية".

ويُشير المسؤول الفلسطيني متحدثا للجزيرة نت إلى أن هناك فعلا محاولات إسرائيلية متصاعدة لسرقة التراث الفلسطيني، مؤكدا أنهم ماضون ووفق آليات معينة لحمايته عبر "تطوير العمل بمجال التراث وإنشاء سجل التراث الفلسطيني للحفاظ عليه، وعمل برامج حديثة بوسائل تقنية لاستخدام هذا التراث ونقله من جيل إلى آخر".

جيل الصمود
لكن هذا الجيل لا يبدو جادا في المحافظة على التراث كثيرا مقارنة بسابقه، تقول المسنة حسنة قزمار (90 عاما) وهي تأكل بعضا من خبز الطابون والزعتر البلدي، "ومع ذلك هي خطوة جيدة".

وحبلة قرية حدودية فلسطينية تعاني الأمرّين بواقعها هذا، إذ يُقيم الاحتلال جدار فاصلا عليها يحاصرها من ثلاث جهات ويعزلها عن محيطها الفلسطيني داخل الخط الأخضر.

واقتطع الجدار ومستوطنة ميتان المقامة على أراضي القرية أكثر من نصف مساحتها البالغة عشرة آلاف دونم (الدونم = ألف متر مربع)، كما يقول رئيس المجلس القروي محمد خروب.

كما أن الجزء المتبقي من القرية يصنفه الاحتلال بمناطق "ج" ولا يسمح بالبناء إلا في أماكن محددة.

المصدر : الجزيرة