زيارة صباحية لجنود الأسد
آخر تحديث: 2013/10/8 الساعة 19:17 (مكة المكرمة) الموافق 1434/12/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/10/8 الساعة 19:17 (مكة المكرمة) الموافق 1434/12/4 هـ

زيارة صباحية لجنود الأسد

عناصر الأمن السوري يقومون بمداهمات مستمرة في حماة (الجزيرة)

المثنى الحارثي-حماة

مع بزوغ الفجر ونية الناس للذهاب إلى أعمالها، تسمع صوت إطلاق نار كثيف من الحواجز المحيطة بالحي.. أصبح الناس يفهمون أنها مداهمة للحي، أي أن أعداداً كبيرة من قوات الأمن تحيط بالحي الآن، وأن مداخله ومخارجه مغلقة كليا، أي أن التحرك ممنوع.

تبدأ بعدها حملة الاتصالات.. الناس توقظ بعضها وتقول "عندنا ضيوف"، أو "قوموا البسوا"، أو "ما في دوام مدرسة اليوم".. كلها عبارات واحدة معناها أن قوات الأسد تداهم.. يستيقظ أهل الحي والكل فزع مما سيأتي.

يتحضر أهل كل بيت للمداهمة.. يخفي الرجال كل ثمين يملكونه من مال أو ذهب أو حتى هواتف نقالة، وتلبس النساء اللباس الذي تخرج به عادة.. يوقظون الأطفال ويوصونهم بألا يتكلموا إذا ما سألتهم قوات الأمن.. الإجراءات الاحترازية تشمل أيضا حذف القنوات الإعلامية التي تعتبر "ممنوعة" كالجزيرة و"الجيش الحر"، ووضع مؤشر التلفزيون على القناة السورية أو قنوات الأطفال.

أما الأصعب وضعاً في هذه الحملة فهو كل إنسان يعرف أن له نشاطاً في الثورة أو أن له اسما عند النظام، أي أنه "مطلوب".. فيبدأ الناس بإخفاء كل شيء يتعلق بنشاطهم: الحواسيب, والفلاشات, والهواتف.

شهادات
يقول الناشط أبو معتصم "أنا وكثير من أصدقائي نفضل ألا ننام حتى طلوع النهار ونطمئن أنه لا توجد مداهمة، ووقتها قد نستطيع إغماض أعيننا".

أما الناشط أبو محمود فيشير إلى أنه في كل ليلة قبل أن ينام يخفي كل ما يمت إلى الثورة بصلة حتى يستطيع النوم بطمأنينة. ولكن الأهم الذي لا يستطيعون إخفاءه هو أنفسهم، و"هذه هي المعضلة الكبرى.. لا نملك سوى الدعاء والانتظار".

تبدأ الحملة.. الكل جالس في بيته على الحال التي ذكرنا, ينتظر دوره بالتفتيش أو بالأحرى بالحكم عليه.. هدوء كبير في الشارع يشوبه صوت تحطيم أبواب، قعقعة سلاح وصراخ عناصر الأمن.. لا أحد يدري ماذا يحصل في الخارج.. ولا يجرؤ أحد أن يعرف.

تبدأ النساء بتلاوة القرآن.. الرجال يدورون في المنزل لا يستطيعون الجلوس.. أما الأولاد فتصفرّ وجوههم وهم ينظرون إلى آبائهم وأمهاتهم بحيرة بالغة.. الكل ينتظر دوره ولا تعرف دورك إلا من صوت خلع الأبواب القريبة منك.. تسمع صوت شخص في الخارج يضرب ونساء تصرخ، لكنك لا تعرف من هذا، أهو أخوك أو ابن عمك أو جارك.

التفتيش
تسمع دقات عنيفة على الباب وقرعا متواصلا للجرس وأصواتا تقول "افتح ولاك".. إنه دورك في التفتيش.. تفتح الباب بسرعة وتحرص على أن يكون الاستقبال لائقا.. يزجرك الضابط وعناصره  وتُعامل على أنك متهم، لأن القاعدة عند قوات النظام معكوسة: البريء متهم حتى تثبت براءته.

يدخل الجنود المنزل ويقلبون الأفرشة والخزائن.. جميع محتويات البيت تقلب رأسا على عقب.. قد يقع في أيديهم شيء ثمين، غير مهم، فالسلامة أهم.

مداهمة في حي طريق حلب بمدينة حماة
(الجزيرة)

يأتي العناصر ويقولون للضابط بعد التفتيش "مافي شي سيدي".. يطلب الضابط الهوية، وهنا التفتيش الأهم.. ينقر الضابط الاسم على اللاسلكي.. تقف وتنتظر مصيرك، فإما أن تسمع على اللاسلكي كلمة "يوجد"، أي أنك مطلوب وستعتقل، أو "لا يوجد" أي أنك غير مطلوب.. إن نجوت، ينظر إليك الضابط كأنه ملك الموت، يقول لك "لقد نجوت مني هذه المرة، ولكن لي فيكم عودات".

النتيجة
قد تدوم الحملة قرابة ست ساعات، وهي أوقات يملؤها التوتر والقلق والخوف الممزوج بالعصبية.. تسمع صوت حافلات تدخل الحي, وصوت أناس يُضربون ويستغيثون.. إنه الإيذان بانتهاء الحملة، ثم يسود هدوء تام في الحي.. تنتظر الناس نحو ربع ساعة للتأكد من أن جنود الأسد قد ذهبوا.

يبدأ الناس بالتلصص من أبواب بيوتهم حتى يطمئنوا إلى عدم وجود أحد، ثم يخرجون كمن خرج من قبر.. ينظرون إلى بعضهم البعض مهنئين بالسلامة، ثم يتساءلون "عرفتوا مين أخدوا؟". ومع الوقت تتضح أسماء المعتقلين، ويبدأ كل واحد برواية ما حصل معه أثناء التفتيش. أما من اعتقل، فذاك "سبب كل جرم حصل في الحي" حسب رواية النظام.

يقول موفق الذي اعتقل في إحدى الحملات "وضعوا قميصي على رأسي وجروني وهم يضربونني بكعوب بنادقهم إلى أن وصلت إلى ساحة الحي، فقالوا: جاثياً ولاك.. وبدأتُ أختلس النظر فإذا فلان وفلان وفلان موجودون معي، وكلما مر عنصر بقربنا يضربنا ويرفسنا حتى تنتهي المداهمة، وتأتي الحافلات لتأخذ عناصر الأمن وتأخذنا، ولكن نحن نصعد أولاً، ليس إكراما لنا ولكن كي ننبطح في أرضية الحافلة ويدوس علينا كل عنصر".

المصدر : الجزيرة

التعليقات