محمد الناعوري-إدلب

لا تختلف قصة القصف والدمار والنزوح التي تعيشها مدينة معرة النعمان الواقعة في ريف إدلب الجنوبي عن نظيراتها من المدن السورية، ولكن ما يميزها هي أنها مسقط رأس الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري وقربها من آثار إيبلا التي تمتد جذورها التاريخية لمئات السنوات.

ميزة هذه المدينة التاريخية لم تشفع لها في الأزمة السورية، بل رافقتها لعنة أتت على أخضر المدينة ويابسها، تمثلت بقرية الحامدية الصغيرة الواقعة جنوبي المعرة.

هذه القرية اتخذها النظام معقلا ضخماً لقواته، فهجّر سكانها، واحتل بيوتها، ثم دعمها بالأسلحة الثقيلة لتتحول لواحد من أضخم المعسكرات في ريف إدلب الجنوبي إضافة لمعسكر وادي الضيف حيث انسحب إليهما من نجا من حواجز المعرة بعد سيطرة الجيش الحر عليها ومنذ ذلك الحين بدأ القصف منها على القرى والمدن المحيطة بها خصوصا بعد حصارها من قبل الثوار.

إمداد جوي
ويقول أحد عناصر الجيش الحر إنهم كانوا يستهدفون معسكر الحامدية بقذائف الهاون، فما إن تسقط القذيفة عليه، حتى تنهال الصواريخ على المعرة ليجبرنا النظام على التوقف.

كتابة على الحائط للتحذير من معسكر وادي الضيف (الجزيرة)

المعادلة هنا هي المدنيون مقابل قصف المعسكر -حسب العنصر- فهؤلاء خط الدفاع الأول ودرعه البشري ضد الثوار، ويقوم بتهديدهم حين يشعر بالخطر.

ويشرح أبو جمال -قائد كتيبة مشاركة في حصار معسكر الحامدية- كيف قطعوا الإمداد البري عن الجيش، ويتابع أن الحوامات تكفلت بالإمداد الجوي عبر إلقاء براميل كبيرة حول المعسكر "ظننا في البداية أن فيها مواد متفجرة وحين لم تنفجر اقتربنا منها وإذا بداخلها خبز ومواد غذائية، يرمونها لرجالهم المحاصرين بينما يمنعون مرور كل شيء إلى المدينة عبر الطرق التي يسيطرون عليها".

طريق الموت
الجزيرة نت جالت في المدينة ولاحظت الدمار الهال في كافة جنباتها جراء القصف اليومي على أحيائها السكنية وخصوصا الجنوبية لأنها مكشوفة على معسكر الحامدية.

واللافت أن كل شوارع هذه الأحياء مقطوعة بسواتر ترابية، لتنبه المار أنه وصل إلى خط النار وعليه التوقف والرجوع.

مشاهد الدمار في هذه الأحياء متنوعة بين بيوت متهاوية ومساجد بلا مآذن ومحلات بلا أبواب كما تشاهد أيضا سيارات محملة بأثاث البيوت مدمرة على جانب الطريق أثناء محاولة السكان الفرار من القصف والموت المحتم إلى المجهول عبر "طريق الموت".

منزل مدمر جراء القصف قرب أحد المساجد بمدينة المعرة (الجزيرة)

الدمار ليس أسوأ ما في قصة المعرة، فالجزء الأكثر مأساوية أن نسبة النزوح من الأحياء الجنوبية يصل إلى 100%.

وبدأت موجات النزوح المحفوفة بالمخاطر مع اشتعال المعارك وسيطرة الجيش الحر عليها، فبعد اتخاذ الناس أصعب قراراتهم بالخروج من بيوتهم تحت ضغط القصف وخوف الأطفال والنساء، يبدؤون بالتحضير لرحلة العذاب التالية، وتتلخص كل آمالهم بالنجاة من الطرق التي يقبع حولها قناصة النظام، يترصدون أي حركة، ناهيك عن زيادة المسافات عدة أضعاف أحيانا لتجنب النيران.

إرادة الصمود
وعن هذه التجربة يروي أحد النازحين أنه تحت ضغط القصف خرج وجيرانه في الليل والسيارات تغص بالناس وحين وصل لمرحلة الخطر "أطفأنا أضواءنا خوفا من أن يتم كشفنا من قبل عناصر النظام الذين يستهدفون الطريق بمضادات الطيران ورصاص القناصة فكثيرون ممن نزحوا ذهبوا ضحايا الطريق المحاصر بالموت من كل جانب وبقوا ممددين على الطريق أياما ولم يستطع أحد انتشالهم".

ورغم كل ما ذاقه السكان لم تخلُ المعرة يوما من الناس فمنهم من ينزحون ويعودون بعد انتهاء المعارك ومنهم من لا يزال مصراً على الحياة صامدا فوق الركام, ففي سوق الخضار هناك بعض المحلات التي تعمل وتبيع بضاعتها وحين سألنا أحد أصحاب المتاجر عن سبب بقائه أجاب "قصفونا ودمرونا وقتلوا أطفالنا ونساءنا لكننا لن نخرج من هنا فلم يعد لدينا شيء نفقده".

المصدر : الجزيرة