الغوطة الشرقية تعرضت أكثر من مرة لقصف عنيف من قبل النظام (الجزيرة)

 سلافة جبور-الغوطة الشرقية
 
على مسافة تتجاوز الكيلومتر يمتد صف من السيارات يحمل آلاف المدنيين أغلبهم من النساء والأطفال، في انتظار دورهم للتفتيش الذي قد يستغرق عدة ساعات.
 
هكذا تبدو طريق المليحة، إحدى الطرق الثلاث المتبقية لدخول المدنيين إلى غوطة دمشق الشرقية المحاصرة. ورغم معرفة الجميع بأن النظام السوري يمنع إدخال أي مواد غذائية أو طبية إلى المنطقة التي تقع تحت سيطرة الجيش السوري الحر، فإن أغلب المنتظرين يحملون بضعة أرغفة من الخبز وقليلاً من الخضار، أملاً في أن يستطيعوا إيصالها لعوائلهم.
 
عناصر النظام
أم محمد وصلت للحاجز تحمل ثماني حقن في حقيبتها لابنتها ذات الخمسة شهور والتي تعاني من سوء التغذية، لكن عناصر النظام صادروها ورفضوا إعادتها لها.
 
وتقول السيدة إن جندي النظام خاطبها بالقول "إن أردتِ الحقن خذيها وعودي إلى دمشق، وإلا أكملي طريقك إلى منزلك من دونها". لتضيف: تركتُها معه وعدت إلى منزلي، والآن علي أن أذهب إلى العاصمة كل أسبوع من أجل ابنتي".
 
تأمين دراسة الأطفال أبرز هموم أهالي الغوطة الشرقية (الجزيرة)
عشرات الحوادث المشابهة تحدث كل يوم على حواجز المليحة وعقربا ومخيم الوافدين التابعة للجيش النظامي والمحيطة بالغوطة.
 
ويبدو أن رئة دمشق ومتنفسها تفقد الحياة شيئاً فشيئاً، بينما يهجرها سكانها هرباً من حياة ما عادت ممكنة، في ظل حصار مطبق ووضع إنساني ومعيشي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم في واحدة من أخصب مناطق سوريا التي طالما اشتهرت بوفرة خيراتها.
 
وتروي أم وائل للجزيرة نت قصتها وكيف قررت النزوح أخيراً من بلدة كفربطنا في الغوطة الشرقية بعد تعرض منزلها للقصف والدمار، فتقول "يعيش أهلي في دمشق بينما أقيم مع عائلتي في الغوطة منذ زواجي. نعيش منذ حوالي سنة من دون كهرباء، والحياة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم".
 
وتمضي أم وائل في سرد الوضع المأساوي بالغوطة الشرقية، قائلة "لم تعد جميع المواد الغذائية بمتناول أيدينا كما اعتدنا طيلة حياتنا بسبب ارتفاع الأسعار. سعر ربطة الخبز يصل أحياناً إلى 400 ليرة سورية بينما تباع في دمشق بـ15 ليرة فقط.
 
ووفق أم وائل لا تزال الفواكه والخضراوات متوفرة ولكن بأسعار مرتفعة جداً مثل الأجبان والألبان، ما يجعل العائلة تحتاج يوميا 1500 ليرة (8 دولارات) لكي تأكل فقط.
 
حرب ونزوح
وبلهجة تطبعها الحسرة، تقول "لم نفكر يوماً بالنزوح رغم الحرب المشتعلة هنا، إلا أن الأمر أصبح خارج رغباتنا وإرادتنا".
 
ومع قدوم مولودها الجديد واقتراب فصل الشتاء بكل ما يمكن أن يحمله من مآسٍ لسكان الغوطة، قررت عائلة أم وائل إحضارها كي تعيش معهم، بينما يبحث زوجها عن منزل صغير لتأجيره في دمشق.
 
الدمار لم يستثن رياض الأطفال (الجزيرة)
لكن الحياة في دمشق تبدو بالنسبة لأم وائل "صعبة للوهلة الأولى، خصوصاً بالنسبة لنا نحن الذين اعتدنا على الحياة في منطقة محررة لفترة طويلة. لكن حصار الغوطة لم يترك لنا خيارات كثيرة. سيكون الشتاء قاسياً ولا أريد أن يمضي على أولادي وسط البرد والجوع".
 
ولا يقتصر الأمر على الوضع المعيشي إذ إن حصار الغوطة وهجرة خبراتها وكوادرها البشرية وغياب الدعم المادي، أبرزَ صعوبات جديدةً تتمثل في نقص الخدمات الأساسية من تعليم ونظافة رغم جهود كبيرة يبذلها المجتمع المحلي في كل بلدة وقرية لتسيير الأمور الخدمية بأبسط الطرق الممكنة.
 
كلّ ذلك دفع عبد الرحمن -وهو من سكان بلدة عربين- لإرسال عائلته كي تعيش مع أهل زوجته في العاصمة دمشق، وذلك كي يستطيع الأولاد الالتحاق بمدرسة هناك.
 
وفي اتصال مع الجزيرة نت، يقول عبد الرحمن إنه يخشى من الذهاب لدمشق لأن سكان الريف وخاصة الشباب منهم يتعرضون لمضايقات فيها تصل حد الاعتقال التعسفي على الحواجز التابعة للنظام، إلا أنه يريد لأولاده أن يحصلوا على أفضل فرص التعليم.
 
ويضيف "لدينا عدة معاهد في عربين لكافة المراحل الدراسية إلا أن غياب الكوادر المؤهلة وعدم توفر الكتب المدرسية والقرطاسية اللازمة دفعني لاتخاذ القرار بإرسالهم لمتابعة تعليمهم في دمشق".
 
ويؤكد عبد الرحمن أنه سيستمر في عمله في متجر صغير يملكه في عربين كي يستطيع تغطية نفقات معيشة عائلته في دمشق "والتي هي بكل تأكيد أقل مما هي عليه في الغوطة".

المصدر : الجزيرة