الشارع التونسي منقسم إزاء تقييم الثورة (الجزيرة)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 رانيا الزعبي-تونس

تبدو تونس اليوم تختلف كثيرا عما كانته قبل الثورة، والتونسيون ليسوا هم الذين كانوا قبل الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي قبل قرابة ثلاث سنوات، فبعدما كانوا يحرم عليهم الخوض بالشأن السياسي وكانت الرياضة شغلهم الشاغل، هم الآن لا يتوقفون عن الحديث في السياسة، ولا يخشون انتقاد أي من زعماء بلدهم وقادتهم السياسيين جهارا نهارا.
 
ومع ذلك يبدو أن الثورة التي منحت التونسيين حق التعبير قد سلبتهم ميزات أخرى ظلوا ينعمون بها لعقود طويلة في ظل نظام أجمعوا على ديكتاتوريته، هذا ما لمسته الجزيرة نت في استطلاع لآراء عدد من التونسيين مع قرب اكتمال ثلاث سنوات منذ اندلاع ثورتهم التي كانت مهدا للربيع العربي.

يقول عادل (30 عاما) الذي يعمل نادلا بأحد المقاهي المنتشرة في شارع بورقيبة "أهم شيء فقدناه هو الأمن، لم نعد نشعر بالأمن، لم نعد نستطيع أن نمشي بأمان في الليل، نخاف أن يصادفنا إرهابيون أو مجرمون".

عبد السلام نور رأيه غير إيجابي في الثورة (الجزيرة)

وبينما يهم بتلبية طلب أحد الزبائن يتحدث لنا عادل بانزعاج عن الارتفاع الحاد بالأسعار "أسعار كل شيء"، وهو ما لم يكن موجودا قبل الثورة.

أما عبد السلام نور ابن الـ19 عاما فقد حسم أمره، والثورة من وجهة نظره لم تجلب أي خير للتونسيين و"يا ليتها لم تكن".

ويصف الطالب الجامعي الوضع ببلده قبل الثورة بأنه أفضل بكثير مما هو عليه الآن، ومع أنه يرى أن النظام البائد كان فاسدا، إلا أنه من وجهة نظره كان يسرق ويترك بعض الفتات للشعب، لكن الحكام الحاليين "يسرقون كل شيء ويتركون الشعب يتضور جوعا".

ويقول إنه بنى قناعته هذه من واقع تجربته الشخصية، فهو كان يحصل على معونة من حكومة بن علي بسبب وضعه الصحي، خاصة أنه لا يوجد له معيل غير والدته، وعندما جاءت الحكومة الحالية حرمته من هذه المعونة ولم تكترث لحالته الصحية، مما زاد مشقة الحياة عليه وعلى والدته، خاصة في ظل الغلاء الفاحش في كل شيء.

ويكمل نور سبب حقده على الثورة قائلا إنهم كانوا في السابق يسمعون عن المجرمين وتجار المخدرات، وهؤلاء يمكن تجنبهم، "أما الآن فنحن مسكونون برعب الإرهاب، الذي لم يعتد عليه الشعب التونسي، والمشكلة أن الإرهاب هو الذي يهاجم الآمنين بعقر دارهم ولا يمكنهم تحاشيه". 

سامية رزق سعيدة بحرية ارتداء الحجاب (الجزيرة)

سامية رزق طالبة جامعية تقول إن أهم إنجاز جاءت به الثورة هو أنها منحت الشعب التونسي حرية التعبير، وحرية إبداء رأيه بشتي أمور حياته، السياسية والاجتماعية.

ولا تخفي الشابة ذات الـ22 ربيعا سعادتها بأن التونسيات أصبح لديهن الحرية الكاملة بارتداء الحجاب، ويفعلن ذلك دون أن يتعرضن لأي مضايقة أو ملاحقة كما كان الحال في عهد النظام البائد.

لكن سامية ترى أن تونس بعد الثورة خسرت بعض المكتسبات الهامة التي كانت لديها قبلها، وأهم هذه المكتسبات من وجهة نظرها هي الإحساس بالأمن، مشيرة لعدم مقدرتها على السير بأمان بعد السابعة مساء في شوارع تونس، خاصة بعد وقوع العديد من حوادث الاغتصاب، وانتشار المجرمين وتصاعد الحديث عن الإرهاب، وهي أمور دخيلة على الشعب التونسي لم يعتدها في السابق.

ولكن رغم هذه السلبيات، ترحب سامية بقيام الثورة في بلادها، "فالحياة في عهد النظام الديكتاتوري البائد لم تكن تطاق"، وحرية التعبير التي يتنفسها التونسيون الآن لا تقدر بثمن، مع أمنيتها أن يعود الأمن لبلدها.

مسعودة صالحي توافق سامية الرأي في كل ما تحدثت به، مشيرة أيضا لغلاء الأسعار الفاحش الذي طرأ بعد الثورة، ومنتقدة غياب الدور الحكومي الرقابي عن مراقبة الأسعار، مما جعل المواطنين ألعوبة بيد التجار. وزاد من صعوبة الحياة عليهم.

مسعودة صالحي تلوم الخصوم السياسيين لحزب النهضة (الجزيرة)

غير أن مسعودة ترى أن الحكومة الحالية لا تتحمل وحددها كامل المسؤولية بحدوث هذه السلبيات أو ربما الإخفاق بتحقيق آمال التونسيين بعد الثورة، فهي ترى أن الخصوم السياسيين لحزب النهضة لم يتوقفوا عن وضع العراقيل في طريقها، مما أدى لإيصال الواقع للحال الذي هو عليه الآن.

لطفي في الخمسينيات من عمره يتفق مع الكثير من الذين استطلعنا آراءهم بأن حرية التعبير هي المكسب الأهم بل هي الأوحد -حسب رأيه- الذي جناه التونسيون من ثورتهم، لكنه مع ذلك يرى أن هذه الحرية أساء استغلالها البعض، وأن هذه الإساءة هي التي أوصلت البلاد لحالة الخوف من "الإرهاب" التي يعيشها التونسيون في هذه المرحلة.

ويقول لطفي إن التونسي بعد الثورة فقد الأمن الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة لحالة غير مسبوقة من الانفلات في الدوائر الحكومية، بسبب ترهل الحكومة، وإساءة استخدام البعض لمفهوم الديمقراطية، وكل هذه السلبيات على حياة المواطن البسيط.
 
ومع ذلك يرى لطفي أن الثورة كانت ضرورة، وأن أي بلد بالتاريخ شهد ثورة مثل بلده كان عليه أن يمر بمرحلة انتقالية قبل أن يصل لمرفأ الاستقرار والديمقراطية المنشودة، ولا بد أن يتبع كل ثورة مرحلة مخاض عسير، تنتهي دائما لصالح الشعب الذي قام بالثورة.

جمالي عبد القادر يثمن حرية التعبير (الجزيرة)

وحسب الطالب جمالي عبد القادر فإن الشيء الوحيد الذي جناه التونسيون من الثورة هو حصولهم على حرية التعبير، وهي مكسب مهم جدا برأيه، رغم الإحساس بعدم الأمن الذي يسيطر على التونسيين، بسبب "الإرهاب" الذي يكدر عليهم صفو حياتهم.

ولا يميل عبد القادر لتحميل الحكومة الحالية مسؤولية انعدام الأمن، بل لا يتردد باتهام بعض أحزاب المعارضة ومن أسماهم أزلام النظام السابق وبمقدمة هؤلاء -برأيه- حزب نداء تونس بتحمل مسؤولية ما تشهده البلاد من أعمال عنف وإرهاب.

ومع أن التونسيين لا يعيشون بنعيم بعد الثورة، فإن حرية التعبير التي حصلوا عليها وخلاصهم من نظام زين العابدين بن علي الديكتاتور يهون عليهم بعض ما خسروه، بناء على رأي عبد القادر.

المصدر : الجزيرة