المسار السياحي سيمتد على أسوار الأقصى وقبالة قبة الصخرة (الجزيرة نت)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

"هنا ولدت وعشت طفولتي على أسطح أسواق البلدة القديمة وأسوار المسجد الأقصى وبين الأزقة والحارات توارثت التجارة أبا عن جد، حيث أعيش وعائلتي منذ ستة عقود في سوق العطارين، بمتجري الذي يحمل دلالات رباط وصمود وتصد للاحتلال، فهي ذكريات ومسيرة حياة مغروسة بقلبي ومحفورة بذهني، لا تغني عنها أموال الدنيا".

بهذه الكلمات رد التاجر صلاح الحلحولي -صاحب محل ملابس- على مشروع المسار السياحي الذي خططت له "شركة تطوير القدس". وسيمتد المشروع على مساحة ثلاثين دونما، ببناء متنزهات وأسواق ومطاعم ومقاه وخمارات، فوق أسطح أسواق العطارين اللحامين والصياغ والخواجات.

وطبقا للمشروع -الذي سيؤدي لتحييد مسار حركة السياحة وتفريغ الأسواق- ستتم السيطرة على أسطح 77 متجرا تابعة للوقف الإسلامي، إضافة لعشرات العقارات والمنازل بملكية خاصة، وإقامة أسواق للمستوطنين لضرب الحركة التجارية للفلسطينيين، سعيا لفرض السيادة على فضاء وسماء البلدة القديمة وأسوار الأقصى لتثبيت الوجود اليهودي.

ويهدف المخطط لخلق تواصل جغرافي للاستيطان بطول عدة كيلومترات تكون متشعبة فوق أسطح البلدة القديمة، حيث ستبدأ من منطقة باب العامود وسوق خان الزيت لتتفرع باتجاه "برج اللقلق" و"الحي الإسلامي" -حيث يخطط لبناء حي يهودي- وسيتجه المسار السياحي نحو "كنيس الخراب" و"حارة اليهود" التي أقيمت على أنقاض "حي المغاربة" و"حارة الشرف" المطلة على ساحة البراق.

الحلحولي يرفض كغيره بيع محله رغم الإغراءات المالية الضخمة (الجزيرة نت)

وجود وحدود
ويتشبث الحلحولي -رئيس لجنة تجار سوق العطارين- بدكانه ويرفض كغيره من التجار الإغراءات والعروض المالية العالية لبيع العقارات "كونها كما أسطح الأسواق وقف إسلامي يُحرم التفريط بها، فهي تاريخ الشعب الفلسطيني وتراثه وتجسد حضارة الأمتين العربية والإسلامية".

وحين اشتدت المعركة على القدس ومع تواصل التضييق على التجار وملاحقتهم بفرض غرامات وضرائب سنوية تقدر بعشرات آلاف الدولارات، يقول الحلحولي للجزيرة نت "رأيت أن الواجب يحتم علي، رغم الركود الاقتصادي والشلل التجاري، الرباط وتعزيز الصمود بأسواق البلدة القديمة التي باتت الحصن الوحيد للدفاع عن الأقصى والمقدسات".

وازدادت قناعاته منذ عقود بحجم المؤامرة على أسواق البلدة القديمة للاستيطان وتطويق الحرم القدسي للتفرد بالمسجد الأقصى، مستذكرا مطلع ثمانينيات القرن الماضي حين دخل لمتجره يهودي وعرض عليه بيع المحل، وفي هذه المرحلة يؤكد الحلحولي وعقب فشلهم في السيطرة على الأسواق "يأتي المخطط لعزل الأسواق المسقوفة عن السياحة والتوافد الشعبي، ظنا منهم أن ذلك سيدفع التجار إلى الهجرة".

ويحكي المربي سمير الأسمر -الذي ترعرع فوق أسطح أسواق البلدة القديمة وعاد إليها بعد سنوات قضاها بالمهجر- عن معاني ودلالات أسطح الأسواق التي كانت تعج بالحياة واعتبرت شريانا للتواصل الاجتماعي والتجاري بين الأحياء، فيقول "هي تاريخ وحضارة تشكل شوكة بحلق المشروع الصهيوني، الهادف للسيطرة على الأسطح".

ونبه الأسمر -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن المدرسة التوراتية "جاليتسيا" والبؤرة الاستيطانية الملاصقة لها بمثابة وسيلة يعتمدها الاحتلال لتنفيذ مخططه، ووضع اليد على العقارات والأملاك، وبسط قبضته على الأسطح وأسوار الأقصى المرتبطة بالأزقة والأسواق.

ولفت إلى أن المقدسيين يعيشون صراع إرادات مع الاحتلال، الذي فشل في تهجير السكان من الأسواق وحارات البلدة القديمة، "فالصراع هو على الوجود وليس على الحدود".

سوق العطارين محط أطماع الاحتلال بتهويده وزرع المستوطنين (الجزيرة نت)

مخططات وخطوات
من جانبه، استعرض مدير عام الأوقاف الإسلامية بالقدس الشيخ عزام الخطيب الخطوات التي قامت بها الأردن لإبطال المخطط، حيث وجهت الخارجية الأردنية مذكرة احتجاج إلى الحكومة الإسرائيلية طالبتها بإلغاء المخططات التهويدية التي تستهدف الأقصى وشددت على موقف الأردن الرافض للمخطط السياحي فوق أسطح أسواق البلدة القديمة.

ولفتت المذكرة إلى أن الأردن صعدت من خطواتها الدبلوماسية ضد تل أبيب عربيا وعالميا، وتتطلع لإجراءات قضائية دولية، بعد أن أدرجت منظمة اليونسكو البلدة القديمة منذ عام 1981 ضمن قائمة التراث العالمي، للجم إسرائيل التي تواصل تدمير الآثار وطمس المعالم الحضارية وتهويدها وتغيير الطبوغرافيا بتزييف التاريخ.

وكشف الخطيب في حديثه للجزيرة نت أن الأردن، أبرقت رسائل وأجرت اتصالات مكثفة مع العديد من الحكومات العربية والإسلامية، وأطلعتها على هذه المخططات، "لخلق موقف عربي موحد داعم لخطواتها دوليا".

وقد اجتمع الخطيب بدبلوماسيين عرب وأجانب وأطلعهم على تفاصيل المشروع وتداعياته، محذرا من المخاطر المحدقة بالأسواق، الأمر الذي من شأنه تعميق معاناة التجار وضرب اقتصاد البلدة القديمة التي تعتبر الدرع الواقي للأقصى والمقدسات.

المصدر : الجزيرة