جانب من الاحتفالات في مقر الرئاسة برام الله (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

إلى ساحة مقر الرئاسة في رام الله وصلت "أم هزاع" من مخيم جنين تحمل مع شقيقاته الحناء المغطى بالورود في انتظار ابنها الوحيد هزاع محمد السعدي (46 عاما) بعد 29 عاما في الأسر.. لم يكن بعيدا فقط، كما قالت، ولكنه "عاد للحياة" أيضا.

وأم هزاع التي يعرفها كل أبناء المخيم وأقعدها المرض عن زيارته في السنوات الثلاث الماضية، أطلقت زغاريدها بمجرد رؤيته قادما إليها بعد الإفراج عنه مع 25 أسيرا أمضوا جميعا نحو ثلاثة عقود في سجون الاحتلال.

وعندما هبّ لمعانقتها لاقته بزغرودة وقالت "طليت يمة وطل الندى في ثيابك.. وغبت يمة غاب القمر في دارك"، في حين تجمع حوله العشرات من أبناء المخيم الذين ولدوا وكبروا في غيابه، وقد فقد والده قبل ثماني سنوات وهُدم بيته في معركة مخيم جنين عام 2002.

واشتعلت مدينة رام الله بالأفراح والأغاني الوطنية بمجرد خروج مركبات أقلت 21 أسيرا أُفرج عنهم ضمن الدفعة الثانية من الأسرى القدامى ومعظمهم قضوا نحو ثلاثة عقود في الأسر، ونقل خمسة آخرون إلى معبر بيت حانون قبل دخولهم إلى مناطق سكناهم في قطاع غزة.

ووسط مقر الرئاسة في رام الله الذي شهد احتفالات صاخبة حتى ساعات الفجر الأولى، استقبلت الحاجة أمونة عبد ربه ابنها عيسى (51 عاما)، عميد أسرى الضفة الغربية المعتقل منذ العام 1984، وهي تكرر "عيسى طلع من المقبرة".

وقالت أم عيسى وهي من مخيم الدهيشة القريب من بيت لحم جنوب الضفة، "الدنيا لا تسعني الآن، حكموه 99 عاما، ولكن خرج من السجن غصبا عنهم". وذكرت والدته ويداها مخضبتان بالحناء احتفالا، أنها بنت له بيتا في انتظار البحث عن عروس بعد وقت قليل.

وفي جنبات المكان وصلت سيارات مزينة بالورود لنقل الأسرى المحررين إلى مناطق الضفة الغربية المختلفة، بينما حملت نسوة الطبول وصواني الحناء والورود في حلقات دبكة وزفة شعبية.

موسى قرعان أمضى 23 عاما في الأسر وتوفي والداه خلالها (الجزيرة)

فرحة ناقصة
ومن بين الأسرى المفرج عنهم الأسير موسى قرعان (44 عاما) الذي اعتقل عام 1993 مع ابن مدينته البيرة أسرار سمرين إثر ضلوعهما في قتل مستوطن إسرائيلي على طريق نابلس رام الله.

وفقد قرعان خلال سنوات أسره الثلاثة والعشرين والدته ووالده، لكن فور الإفراج عنه استقبله عدد كبير من أشقائه وأبناء مدينته.

وقال فور الإفراج عنه إن شعوره بالحرية لا يوصف، لكنه أضاف أنها "فرحة ناقصة لأن هناك الآلاف لا يزالون ينتظرون تحريرهم من سجون الاحتلال".

وأضاف قرعان للجزيرة نت إن أهم مطلب للأسرى في السجون الإسرائيلية هو إنهاء الانقسام وإعلاء مصلحة الشعب الفلسطيني والعمل الجاد لتحرير باقي المعتقلين.

وانتقل موكب الأسيرين قرعان وسمرين من مقر الرئاسة إلى مقبرة البيرة حيث قرآ الفاتحة على أرواح أبناء عائلتيهما الذين توفوا خلال سنوات اعتقالهما ووضعا أكاليل من الزهور على أضرحتهم.

وجابت عشرات السيارات المزينة بالأعلام الفلسطينية شوارع مدينتي رام الله والبيرة احتفاءً بالمحررين، في حين نظمت لهم زفة شعبية وسط مدينة البيرة حتى ساعات ما قبل الفجر، ونقلت عبر البث الفضائي إلى أبناء البيرة المغتربين في الولايات المتحدة.

عميد أسرى جنين هزاع السعدي أمضى 28 عاما في الأسر (الجزيرة)

تحقيق الوحدة
أما وسام ناصر، التي اعتقل والدها محمد ناصر من قرية صفا غرب رام الله وقد مضى على ولادتها ثلاثة شهور فقط، وهي الآن في عمر سنوات أسره في الثامنة والعشرين، فقالت إنها لم تعرف يوما معنى أن يكون لها "أب في البيت" ولكن فقط عبر الزيارات والقضبان الحديدية.

وأمضى ناصر 28 عاما في الأسر بعد اعتقاله مع ابن قريته رافع كراجة في العام 1985 ورفض الاحتلال الإفراج عنهما في أي صفقة تبادل، إلى أن أفرج عنهما اليوم.

وقال القيادي في حركة فتح من مخيم جنين جمال حويل إن الإفراج عن هذه الدفعة من الأسرى القدامى ولدت حالة من الفرح والشعور بالانتصار للشعب الفلسطيني من خلال قهر الاحتلال وكسر شروطه التي فرضها لسنوات عليهم ومنع بها الإفراج عنهم.

والتقى حويل الذي أفرج عنه قبل ثلاثة أعوام بعد اعتقال لسنوات طويلة، برفاق محررين شاركوه المقاومة وساهموا مع شقيقه الشهيد نجيب حويل في تأسيس خلايا العمل المسلح الأهم إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى وخاصة شمال الضفة الغربية.

وطالب حويل القيادة والفصائل الفلسطينية بالنظر إلى فرحة الأسرى وأهاليهم والشعب الفلسطيني باعتبارها دافعا مهما للعمل الحثيث على تحقيق الوحدة الوطنية والسير إلى إنجازات كبرى سواء بالمقاومة أو المفاوضات من أجل تحرير كافة الأسرى في السجون الإسرائيلية.

وقال حويل إن الأسرى المفرج عنهم معروفون كأبطال ساهموا في تشكيل ظواهر ومدارس في المقاومة الفلسطينية مثل خلايا الفهد الأسود ومنهم المحرران محمد الصباغ ومحمد تركمان اللذان أفرج عنهما بعد قضاء 22 عاما في الأسر.

المصدر : الجزيرة