من لم يمت بالقصف في معضمية الشام لاحقه الجوع والمرض (الجزيرة-أرشيف)

سلافة جبور-دمشق

"نحن أموات سريرياً ولا يوجد لدينا أي مقومات للحياة، ومع ذلك لم نفقد الأمل في إيصال صوتنا إلى العالم". هذه جملة مما قاله الناشط أبو رجب من معضمية الشام في حديثه للجزيرة نت.

وتكشف التفاصيل عن معاناة بالغة السوء هناك، حيث يواجه عشرة آلاف مدني الموت جوعاً بعدما نفدت منهم أغلب وسائل الحياة، فلا كهرباء ولا وقود، ولم يبق من مخزون الطعام سوى 5% فقط، وأغلب العائلات تعيش على وجبة طعام واحدة في النهار، تتألف من بعض الأعشاب والزيتون، وربما التين أو عرانيس الذرة لمن كان محظوظاً.

وكانت قد ضجت وسائل الإعلام الحكومية منتصف الشهر الحالي بسماح النظام لعدد من أهالي المعضمية بالخروج منها بعد حصار دام قرابة عشرة أشهر، وبدا ذلك أشبه بمكرمة من نظام لم يتوان عن قصف المنطقة بمختلف أنواع الأسلحة بما فيها السلاح الكيميائي. 

معضمية الشام في حصار خانق
منذ انطلاق الثورة (الجزيرة-أرشيف)

توظيف دعائي
وحسب إعلام النظام نُقل "الأهالي المحررون من العصابات الإرهابية" إلى عدد من مراكز الإيواء في دمشق وريفها، وتم تأمين كل ما يلزمهم من طعام ولباس ودواء.

وبعيدا عن تلك الدعاية الرسمية، يروي أبو رجب حقيقة ما حدث قائلا "أخرجوا 2500 شخص من النساء والأطفال ممن هم دون الرابعة عشرة من العمر خلال يومين، وعند خروجهم في اليوم الأول ووصولهم إلى الحاجز، بدأ عناصر قوات النظام بتوزيع الخبز عليهم.. كانوا يقسمون الرغيف إلى أربعة أجزاء ويرمونها على قارعة الطريق، وبالطبع راح الأطفال الجياع يلتقطونها".

أما اليوم الثاني "فبدا كيوم الحشر حيث تجمع الآلاف ممن يريدون الخروج، ولم يعد عناصر النظام قادرين على السيطرة على الوضع، حتى الحافلات التي أحضروها لم تكف الجميع، فتم انتقاء عدد من المتجمعين بشكل عشوائي وعاد البقية أدراجهم".

ويضيف أبو رجب أن النظام اعتقل عدداً من الأطفال، إلا أن الصليب الأحمر واللجنة المسؤولة عن عملية الإخلاء تدخلت كي يتم الإفراج عنهم. وفي اليوم الثالث قصفت قوات النظام مكان تجمع المدنيين الذين حاولوا الخروج، مما أدى إلى سقوط عشرات الجرحى.

ويعتبر أبو رجب أن النظام حصل على ما أراد، "فقد قام بتصوير عملية إنقاذ المدنيين من العصابات المسلحة، وزار مسؤولوه مراكز الإيواء وأجبروا بعض الناس على الهتاف لبشار الأسد، ثم انتهت اللعبة الهادفة إلى تخفيف الضغط الإعلامي الناجم عن الحملات الواسعة التي أُطلقت لإنقاذ سكان المعضمية من الجوع والحصار".

أما أبو أحمد الذي ما زال يعيش داخل المعضمية مع عائلته المكونة من زوجة وثلاثة أولاد، فيقول "نعيش هنا حياة من دون حياة.. لا نفكر في المستقبل، وكل تفكيرنا هو كيف لنا أن نؤمّن وجبة طعام لأولادنا، وحياتنا اليوم تقتصر على البحث عن طعام منذ الصباح، ومن ثم تحضير وجبة النهار الوحيدة.. كل ما نستطيع تأمينه هو أوراق الفجل أو البقدونس أو السلق، ونقوم بتحضير سلطة أو ربما إعداد طبخة على الحطب، ونضطر أحياناً للاستعانة بالأكل المخصص للحيوانات كالفصّة أو البرسيم".

وبالطبع فإن جميع أنواع المحروقات نفدت من المنطقة، ولم يبق للسكان سوى استعمال الحطب للطبخ والتدفئة. ويرى أبو أحمد أن المدينة مقبلة على كارثة جديدة بحلول فصل الشتاء ببرده القارس، دون أن تتوفر أي وسيلة للتدفئة.

حاول أبو أحمد إخراج عائلته مع الذين خرجوا، لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب الازدحام والفوضى، إلا أنه يؤكد أنه لم يندم على بقائهم، بل بالعكس "لن أفكر في إخراجهم بعدما رأيت ما حدث مع من ذهبوا.. أفضل أن نبقى هنا وإن متنا جوعاً".

مدارس معضمية الشام لم تسلم من التدمير  (الجزيرة-أرشيف)

حضرت الأمراض وغابت الأدوية
وعن الوضع الطبي داخل المدينة يقول أبو رجب إنه أصبح "غاية في السوء بعد مجزرة السلاح الكيميائي يوم 21 أغسطس/آب الماضي، فنفد مخزوننا من أدوية الالتهاب وأكياس الدم والسيروم. واليوم، يموت أكثر من نصف المصابين جراء القصف بسبب نقص المواد الطبية".

ويضيف أن مرض اليرقان -وهو مرض يصيب الكبد- أصبح منتشراً بشكل كبير في المدينة دون أن تكون لديهم الإمكانيات لمعالجته، "فنحن لا نملك مادة السكر وهي أساسية لعلاج هذا المرض".

دفع هذا الوضع المأساوي من تبقى من سكان المعضمية إلى فقدان ثقتهم بالمجتمع الدولي والمعارضة الخارجية، إذ يعتبر أبو رجب كلاً من المجلس الوطني والائتلاف الوطني عبارة عن مجموعة "لا عمل لها سوى المتاجرة بدماء السوريين".

وقال "لا يمثلنا إلا من هم على الأرض، ولم نصمد حتى اليوم إلا بسبب تعاضدنا ووقوفنا يداً واحدة بوجه النظام.. أقسمنا جميعاً -مدنيين ومسلحين- على أن نحيا معاً أو نموت معاً، فالجيش الحر هنا هم أهلنا وأبناؤنا، وإن كانت لهم أخطاؤهم ومشاكلهم فإنها لن تفرق بيننا".

المصدر : الجزيرة