جانب من مهرجان ثقافي وموسيقي بمدينة القامشلي لإبراز الجانب المدني من الثورة السورية (الجزيرة)

الحسكة - الجزيرة نت
 
للوهلة الأولى، تبدو الأخبار القادمة من محافظة الحسكة بشمال شرق سوريا مليئة بالعنف ومصبوغة بلون الدم، مثل بقية أنحاء البلاد التي طغت مشاهد الحرب على يومياتها.
 
قصف وتفجيرات واشتباكات ومواجهات شبه يومية بين الفصائل المعارضة المختلفة التي تسيطر على المحافظة الغنية بحقول النفط.
 
وتتميز محافظة الحسكة بتنوع كبير في مكوناتها من عرب وكرد وسريان آشوريين وأرمن ويزيديين، وكان لها نصيب كبير من محاولات النظام لزرع الفتن العرقية والطائفية.
 
لكن الناشطين السلميين داخل المدن والقرى  يحرصون على إحياء العمل المدني وسط صعوبات لا تحصى وتعتيم إعلامي "يهدف" لإخفاء أحد أوجه الثورة الحقيقية هناك.

تآخ وتسامح
ولم يستسلم الناشطون لمدّ قيم الكراهية والعنف، وإنما قرروا التصدي للوضع السائد بطرقهم الخاصة، فأطلقوا حملات تدعو إلى التآخي والتسامح.

ومن هذه الجهود حملة "تسامحوا" التي نظمها مركز التآخي للديمقراطية والتجمع المدني في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي ووزعت منشورات في جميع أنحاء المدينة تدعو إلى التسامح.

من نشاطات جمعية روني في تثقيف وتوعية أطفال القامشلي بمحافظة الحسكة (الجزيرة)

ونظم آخرون فعاليات تهدف لنشر ثقافة مغايرة للعنف والحقد كمشروع "سينما باص" الذي عَرَض أوائل الشهر الحالي مجموعة أفلام متنقلة في مدن المحافظة بهدف نبذ الكراهية وقيّم الحرب.

ويرى حسام القس -وهو ناشط مدني وحقوقي من أوائل المشاركين في الحراك السلمي بالحسكة- أن الحاجة لنشر قيم التسامح والعيش المشترك تزداد يوما بعد يوم في المنطقة التي تحوي خليطا سكانيا متميزا.

ويضيف في حديث للجزيرة نت "قمنا بعدة حملات مدنية هدفها نشر ثقافة التعايش والتسامح بين مكونات المنطقة كحملة ميلاد الحرية وشموع الأضحى ومهرجان الربيع الذي نظمناه مع ائتلاف شباب "سوا" الكردي.

ويوضح أن المهرجان كان ثقافيا وشاركت فيه فرق مسرحية وفلكلورية وغنائية وفنانون آشوريون وأكراد، كما تخللته نشاطات سينمائية على مستوى المحافظة.

وبحسب القس، يواجه العمل المدني في المحافظة صعوبات وتحديات، تتمثل في نقص الموارد ومحدودية الإمكانيات والتعرض لمضايقات تصل إلى حد الاعتقال.

ويؤكد أن العديد من الناشطين السلميين اعتقلهم النظام في مدينتي القامشلي والحسكة، قائلا "نعمل الآن في مناطق تقع تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني ولم نعد نتعرض لمضايقات كثيرة. إنما أصبحت لدينا حرية نسبية للعمل كما نريد".

عودة النازحين
وبالرغم من نزوح قسم كبير من سكان محافظة الحسكة إلى مناطق مختلفة منها إقليم كردستان العراقي، فإن عشرات الآلاف قدموا إليها من محافظات أخرى كحلب وإدلب وحمص ودير الزور.

وبحسب تقارير دولية، عادت آلاف العائلات التي نزحت في الأشهر الماضية من محافظة الحسكة لتستقر في مدنها الأساسية.

جانب من فعاليات احتفالية تعكس التمرد على المشهد القاتم بسوريا (الجزيرة)

وتقول مسؤولة جمعية "روني" للمرأة في القامشلي رجاء حسن إن المنطقة بحاجة إلى جهود كبيرة لتخفيف المعاناة عن سكانها وتحسين ظروف معيشتهم.

وتوضح -في حديث للجزيرة نت- أن جمعية روني منظمة اجتماعية ثقافية مستقلة تضم نساء سوريات مهتمات بدعم قضايا المرأة والطفل والمجتمع.

لكن العمل الإغاثي أصبح يتصدر أولويات الجمعية بسبب الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها المحافظة في ظل الفقر والحصار والنزوح وقلة المواد وارتفاع الأسعار، حسب تعبيرها.

وتقول رجاء حسن إن الجمعية تعاني من قلة الإمكانيات المالية وشح الموارد البشرية المستعدة لتبني أهدافها ورؤاها.

لكن العائق الأبرز في نظرها، هو تحكم القيم الذكورية في المجتمع حيث لا يزال متمسكا بعادات وتقاليد تقيد حركة المرأة وتختصر دورها في الأمومة والعناية بالمنزل.

وفي عدوان يعكس صعوبة العمل السلمي والمدني بسوريا حرق ملثمون مجهولون مكتب الجمعية بعد سرقة محتوياته في شهر يوليو/تموز الماضي.

وتنفذ "روني" نشاطات توعوية تهتم بحقوق الإنسان ومفاهيم العدالة الانتقالية والاجتماعية ونشر أفكار التعايش السلمي بين كل طوائف المجتمع.

وحسب القائمين عليها، تولي الجمعية اهتماما كبيرا للأطفال المتضررين من الحرب وتسعى عبر مشاريع خاصة لإعادة البسمة والحياة الطبيعية إليهم.

كذلك تنفذ الجمعية دورات للكبار في اللغات والموسيقى والتمريض، كما تضم فريقا مختصا بتقديم الدعم النفسي لذوي الاحتياجات الخاصة.

المصدر : الجزيرة