"الاكتظاظ والعشوائية" قنبلة مخيمات لبنان الموقوتة
آخر تحديث: 2013/10/20 الساعة 16:33 (مكة المكرمة) الموافق 1434/12/16 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/10/20 الساعة 16:33 (مكة المكرمة) الموافق 1434/12/16 هـ

"الاكتظاظ والعشوائية" قنبلة مخيمات لبنان الموقوتة

التصاق البيوت وعشوائيتها داخل المخيمات ولدت مشاكل صحية واجتماعية كبيرة (الجزيرة نت)

جهاد أبو العيس-بيروت

لم يتمالك الحاج مصطفى أبو شهاب نفسه من الضحك عند حديثنا له عن تطابق مواصفات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته 25 الخاصة بمستوى معيشة السكن والمأكل والملبس والخدمات الاجتماعية الضرورية، الواجب توفرها له داخل مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت.

قال لنا الحاج السبعيني إن هذه النصوص موجودة لكن خارج حدود المخيمات الفلسطينية "نحن خارج التاريخ والنصوص والجغرافيا، وليس لنا كرامة إلا في فلسطين"، وزاد بالقول "عن أي حقوق إنسان تتحدث، انظر للبيوت وللأزقة، وراقب عيون الناس أمامك ستقرأ كل شيء".

حديث الحاج أبو شهاب وغيره من سكان المخيمات لخصته دراسة توثيقية أعدتها مؤسسة "شاهد لحقوق الإنسان" وقرعت فيه ناقوس الخطر بشأن ظاهرة آخذة بالتنامي، وهي ظاهرة التمدد العمراني العشوائي في المخيمات، وخطورته على البيئة المعيشية والاجتماعية للاجئين.

كهوف وملاجئ
ولفتت الدراسة، التي اتخذت من مخيم البرج الشمالي في جنوب لبنان نموذجا شبيها ومطابقا لكل المخيمات، إلى أن نمط البناء في المخيمات يقوم على أساس العشوائية وبإشراف الأهالي أنفسهم وبتخطيط شخصي دون أية محددات.

تمديدات الكهرباء والهاتف والبناء بشكل عشوائي في المخيمات (الجزيرة نت)

وزادت الدراسة التي حصلت الجزيرة نت على نسخة منها، أن التزاحم الشديد للمباني وعدم ترك فراغات أدى إلى فقدان الخصوصية وزيادة درجة التلوث السمعي والبصري، فبعض البيوت أصبحت تشبه الكهوف والملاجئ من الداخل نظراً لعدم دخول الشمس وتمركز الرطوبة العالية جدا فيها.

المدير العام لمؤسسة شاهد محمود حنفي قال للجزيرة نت إن السمة البارزة أثناء التجوال في أحياء المخيمات هي المباني المتراصة والمتراكمة على بعضها والتي تشبه "علب الكبريت"، حيث تفتقد إلى أسس ومقومات العيش، فمعظم البيوت تفتقر إلى التهوية لأن المبنى الواحد تحيط به المباني من ثلاث جهات.

وقال إن أوضاع المخيمات الفلسطينية اليوم أضحت قنبلة اجتماعية موقوتة قد تنفجر في أي لحظة ما لم يتحمل الجميع مسؤولياته بصورة تامة، ولفت إلى أن معدل عدد أفراد الأسرة الواحدة داخل المخيم حوالي خمسة أفراد، أما معدل الولادات، في مخيم برج الشمالي مثالا، فيفوق كثيرا معدل الوفيات.

وأرجع حنفي ظاهرة البناء العشوائي داخل المخيمات لسياسيات الحكومات اللبنانية المتعاقبة تجاه اللاجئين، والترهل السياسي الفلسطيني وضعف المرجعية السياسية والاجتماعية والأمنية، وهي عوامل أسهمت في بروز ظاهرة التعدي واعتبار ذلك حقا مكتسبا.

مساحة ثابتة
وقد روى الحاج أبو شهاب كيف خرج من بلدته صفد برفقة زوجته واثنين من أولاده وكيف أصبحت لديه اليوم عائلة ممتدة (23 شخصا) على نفس المساحة التي منحتها له وكالة الأونروا قبل أكثر من ستة عقود، مما اضطره للبناء العشوائي الطولي لأولاده الذين أسسوا عائلات جديدة.

أبو شهاب قال إن عدد سكان مخيمه تضاعف لأكثر من أربع مرات منذ تأسيسه وحتى اليوم، دون زيادة متر واحد على المساحة التي خصصت إبان النكبة وهجرة اللاجئين، مما يجعل المخيم بحق منطقة وبؤرة اكتظاظ لا مثيل لها على مستوى العالم.

يشار إلى أن فترات السماح والمنع للبناء داخل المخيمات مرت بظروف متقلبة. فبعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية أوائل التسعينيات، عادت حركة البناء للنشاط، إلا أن السلطات اللبنانية اتخذت قرارا مفاجئا بمنع البناء ابتداءً من فجر 1/1/1997، ثم عادت وسمحت به في 23/11/2004 لمدة ستة أشهر ثم عادت ومنعته في 14/6/2005.

أما حاليا، فيسمح بإدخال مواد البناء من خلال رخصة تمنح من قبل الثكنات العسكرية، وهذه الرخصة لا تمنح بسهولة بل يلزمها إجراءات وقيود معينة تتطلب وقتا ليس بالقليل.

عزام طالب الحكومة اللبنانية بإلغاء قانون حظر التلمك خارج المخيمات (الجزيرة نت)

مسؤولية الحكومة
من جهته يرى مسؤول مكتب شؤون اللاجئين في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في لبنان ياسر عزام أن الاكتظاظ والعشوائية تتوزع مسؤوليتهما على جهات عدة منها الحكومة اللبنانية التي ترفض إلغاء قانون حظر التملك للاجئين الفلسطينيين دون غيرهم خارج المخيمات.

وزاد عزام للجزيرة نت أن الدولة اللبنانية مطالبة اليوم أيضا بإقرار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعلى رأسها حق العمل بشكل واضح ونهائي وكامل، حتى يتمكن الإنسان الفلسطيني من تحسين مستوى معيشته، مؤكدا أن تحسين ظروف اللاجئ لا يعني بأي حال توطينه في لبنان.

الدولة اللبنانية من جهتها لا تعتبر نفسها مسؤولة عن مشاكل الاكتظاظ بحجة أن المخيمات مناطق لا تقع ضمن مسؤوليتها بموجب اتفاقية القاهرة، التي نقلت السلطة إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تكن تعنى بالتنظيم المدني أو التخطيط العمراني آنذاك وحتى اليوم.

وبموجب ذلك بقيت النظرة الرسمية للمخيمات تقتصر على البعد الأمني، دون الأخذ بعين الاعتبار الرقعة الجغرافية والحاجة الماسة لتوسعة المخيم المرفوضة رسميا.

أما وكالة الأونروا فقالت على لسان مدير خدماتها في مخيم برج الشمالي رائف أحمد إن السلطة كانت موجودة لمنع البناء العشوائي عندما كانت سلطة الدولة تمتد لداخل المخيم أما اليوم فلا سلطة على ذلك.

وزاد أحمد بالقول "بالنسبة لدور الأونروا اليوم لا توجد لدينا إستراتيجية للتعامل مع هذه المشكلة المتفاقمة، فالمسألة معقدة، لكننا نهيب بمنظمة التحرير ورئاسة السلطة ورئاسة الأونروا الإسراع في إيجاد الحلول، وإلا فإننا سنكون أمام كارثة إنسانية واجتماعية لا أحد يدرك عواقبها".

المصدر : الجزيرة