جمهورية العراق.. تاريخ حافل وحاضر معقد (الجزيرة نت)

نجحت الولايات المتحدة بغزوها العراق عام 2003 في إخراجه من دائرة الفعل والتأثير في المنطقة العربية كما كان شأنه على مر التاريخ القديم والحديث، بل حاولت واشنطن -كما هدد بعض مسؤوليها- إرجاع العراق إلى العصر الحجري.

ودخل المجتمع والسياسة العراقية منذ ذلك التاريخ في دوامة العنف السياسي والاجتماعي، وتمزق مكونه الاجتماعي على أسس مذهبية وعرقية وطائفية أحيانا. ولم يعد النظام السياسي، والعملية السياسية بأحسن حال، إذ انعكس ما يجري على الأرض على أروقة السياسة.

فمنذ أن تشكل مجلس الحكم الانتقالي، بعد إسقاط نظام صدام حسين، على أساس المحاصة الطائفية، لم تشهد الحكومات المتعاقبة استقرارا سياسيا، فحكومة إياد علاوي ثم إبراهيم الجعفري وأخيرا نوري المالكي كانت تثير غضب المكونات الاجتماعية الأخرى بسبب الفساد واتهامها بالانحياز لمكون ضد آخر. وبقي الثابت في نظام الحكم هو الرئيس جلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني.

وتشهد الساحات العراقية في المناطق السنية ولا سيما الأنبار والموصل وتكريت اعتصامات شعبية واسعة لعدة شهور مطالبة بإسقاط حكومة نوري المالكي، بسبب استهدافها المكون السني، وتمكين إيران من مد نفوذها داخل الدولة العراقية. وامتدت مؤخرا مظاهرات في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية مظاهرات مماثلة تحتج على سياسات الحكومة.

في حين يبدو إقليم كردستان شمالي العراق هو الأكثر استقرارا أمنيا وسياسيا، حيث يتمتع الإقليم بحكم ذاتي ولديه برلمان منتخب وحكومة إقليمية تدير شؤونه.

ولم يدخل الأكراد في صدامات مع المكونات الأخرى في المجتمع والسياسة العراقية، باستثناء الخلاف مع الحكومة المركزية بشأن تصدير النفط ومنح الامتيازات لشركات النفط الأجنبية وتقاسم عائدات تصديره.

وصاحب الاحتلال الأميركي للعراق بروز ظاهرة تنظيم القاعدة، الذي بدأ نشاطه باسم أنصار الإسلام في كردستان العراق، ثم انتقل بشكل رئيسي في أقليم الوسط وبرز نشاطه ضد الاحتلال الأميركي ومخالفيه السياسيين من السنة والشيعة على حد سواء، حتى أعلن عن قيام دولة العراق الإسلامية قبل أن تتصدى لها الصحوات التي دعمها الاحتلال الأميركي، وبهت حضور القاعدة منذ ذلك الحين خصوصا بعد مقتل قائدها أبو مصعب الزرقاوي.

رحلة تاريخية
بلاد النهرين، عراق العرب، وادي دجلة والفرات، أرض السواد، العراق. كلها أسماء أطلقت تاريخيا على ما يعرف اليوم بجمهورية العراق.

أما تسمية العراق فتعود إلى حوالي القرن السادس الميلادي، ويعتقد أن أصل التسمية تعود إلى تعريب لمدينة أوروك (الوركاء) السومرية. بينما يعتقد باحثون آخرون أن التسمية مشتقة من الفارسية الوسطى (عيراق) والتي تعني الأراضي المنخفضة.

عرفت أرض العراق المستوطنات البشرية ومورست فيها الزراعة ومدت القنوات المائية حوالي ستة آلاف سنة قبل الميلاد. وتكلم سكان العراق عدة لغات على مر العصور بداية بالسومرية ثم الآرامية فالسريانية وأخيرا العربية إلى جانب الكردية.

بنيت مدينة بغداد في القرن الثامن الميلادي لتكون عاصمتهم، وأصبحت العاصمة الرائدة في العالم العربي والإسلامي لمدة خمسة قرون. أصبحت بغداد أكبر مدينة متعددة الثقافات في العصور الوسطى، وبلغت ذروتها حين تجاوز عدد سكانها المليون، وكانت مركزا للعلم خلال العصر الذهبي الإسلامي. دمر المغول المدينة أثناء حصارها في القرن 13.

شهدت أرض العراق سلسلة طويلة من الغزوات وقامت عليها العديد من الممالك والحضارات بدءا من الحضارة السومرية التي وضعت أول كتابة عرفتها البشرية والمعروفة بالكتابة المسمارية قبل أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. كما عرفت لاحقا أول قانون دونه البشر وهو قانون حمورابي الذي حكم بابل وأقام حضارتها.

مرورا بالإمبراطورية العثمانية التي شهدت صراعات قوية مع الدولة الصفوية على أراضي العراق التي حكمتها لأربعة قرون، وأسقطت الحرب العالمية الأولى حكم الإمبراطورية للعراق وغيرها من دول المنطقة العربية، ودخل العراق تحت الحكم البريطاني عام 1920.

وشهد العراق عدة ثورات على الحكم البريطاني مثل ثورة العشرين، وثورة دير الزور في سوريا التي امتدت إلى الموصل وتكريت ولواء الدليم، ثم ثورة محمود الحفيد في المناطق الكردية.

وفي عام 1921 أعلنت بريطانيا تنصيب فيصل بين الحسين ملكا على العراق. قبل منحه الاستقلال عام 1932 تحت حكم الملك فيصل لعام واحد، واستمر الحكم الملكي الهاشمي حتى عام 1958 عندما أطاح به انقلاب عسكري قام به الجيش العراقي والمعروف باسم ثورة 14 تموز التي قادها عبدالكريم قاسم، تبعه سلسلة انقلابات عسكرية قام بها عبد السلام عارف عام 1963 وخلفه شقيقه عبدالرحمن عارف.

ثم انتهى الحكم لحزب البعث في 1968 ثم بقيادة صدام حسين عام 1979، وهو ما تزامن مع الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخميني، وهو ما أشعل حربا شرسة بين الطرفين بسبب الاختلافات الفكرية والسياسية بين الطرفين واعتبار أطراف عديدة منها الولايات المتحدة والغرب ودول الخليج بالإضافة للنظام العراقي الجديد، الثورة الإيرانية خطرا إستراتيجيا عليها. واستمرت الحرب حتى 1988.

ثورات وعنف
وشهدت فترة حكم صدام حسين التي امتدت من 1979 وحتى 2003 ثلاث حروب كبيرة، كانت الأولى مع الثورة الإيرانية عام 1980 وامتدت حتى 1988، وعرفت بحرب الخليج الأولى، وقتل فيها نحو مليون شخص.

وكانت الثانية عام 1991 ضد قوات تحالف دولي (34 دولة) قادته الولايات المتحدة عقب احتلال العراق لجارته الكويت، وتسمى بحرب الخليج الثانية أو معركة تحرير الكويت، أو عاصفة الصحراء كما تسميها الولايات المتحدة.

والثالثة عام 2003 ضد تحالف دولي قادته أيضا الولايات المتحدة نجحت في إسقاط حكم حزب البعث بقيادة صدام حسين، والذي تم إعدامه في ديسمبر/كانون الأول عام 2006 بعد محاكمة صورية بدأت عام 2004.

كما شهد العراق عددا من الثورات الداخلية التي أعقبتها ردود عنيفة من قبل النظام، من أشهرها مذبحة حلبجة في كردستان العراق على الحدود مع إيران، في الأيام الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية وتحديدا في 16 مارس/آذار 1988، حيث قصفت البلدة بالسلاح الكيميائي وقتل فيها أكثر من خمسة آلاف مدني كردي.

ووقعت مذبحة حلبجة ضمن ما عرف بحملة الأنفال التي شنها النظام العراقي على الأكراد في مارس/آذار 1988، وتذكر المصادر الكردية أن قرابة ألفي قرية تمت إزالتها من الوجود، واعتقل أكثر من 182 ألف مدني تمت تصفيتهم ودفنهم في مقابر جماعية في أنحاء متفرقة من العراق، حسب الرواية الكردية.

ووقع في العراق بعد حرب الخليج الثانية انتفاضة واسعة عرفت بالانتفاضة الشعبانية لأنها وقعت في شهر شعبان الهجري، وشملت هذه الانتفاضة 14 محافظة من أصل 18، وغطت شمالي العراق الكردي وجنوبيه ذا الأغلبية الشيعية، وشاركت في الانتفاضة فصائل مسلحة تابعة لأحزاب كردية وشيعية لإسقاط النظام، فرد عليها النظام بعنف.

وتقدر مصادر مقتل أكثر من 300 ألف في جنوبي العراق خلال أسبوعين من الانتفاضة. وهو ما مهد لفرض حظر الطيران شمالي العراق وجنوبيه من قبل مجلس الأمن الدولي، وأعلن عن قيام إقليم كردستان شمالي العراق.

حصار وحروب
وفرضت الأمم المتحدة عام 1990 حصاراً على العراق، ووضعته تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وفرضت بموجبه على العراق دفع تعويضات إلى الكويت تزيد على خمسين مليار دولار. ولم يخرج العراق من طائلة الفصل السابع إلا في يوليو/تموز 2013.

كما فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية وعسكرية على العراق، وفرض عليه حصارا استمر من عام 1990 إلى حين إسقاط النظام عام 2003، وعانى العراقيون كثيرا خلال فترة الحصار بسبب تردي الحالة المعيشية وانتشار الأمراض.

ويقدر عدد الوفيات خلال هذه الفترة بمليون ونصف المليون طفل. وكانت واردات العراق خلال هذه الفترة تأتي من بيع الأمم المتحدة للنفط العراقي وتسليم العراق في مقابله الغذاء والدواء وبعض الاحتياجات الخاضعة للرقابة، وهو ما عرف باتفاقية "النفط مقابل الغذاء".

ووجهت أميركا ضربة عسكرية في عام 1998 سميت بعملية ثعلب الصحراء. وأدت هذه العملية إلى تقليص تعاون العراق مع قرار مجلس الأمن ووافق صدام حسين تحت ضغط من الولايات المتحدة والأمم المتحدة على السماح للمفتشين بالعودة إلى العراق في عام 2002، ولكن بحلول ذلك الوقت كانت إدارة بوش الابن قد بدأت بالفعل في التحضير من أجل الحرب.

وتحت مبرر امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل ورفضه التعاون في التخلي عنها، شنت الولايات المتحدة -مدعومة من قوى متحالفة معها- حربها على العراق في 20 مارس/آذار 2003 لإسقاط نظام صدام حسين، وفي 10 أبريل/نيسان من نفس العام أعلن بوش الإبن انتهاء الحرب بعد إسقاط النظام العراقي.

وشكلت الولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2004 مجلسا لحكم العراق من القوى والأحزاب المعارضة لحزب البعث الحاكم، واختير غازي عجيل الياور رئيسا للعراق وإياد علاوي رئيسا للحكومة.

وقدم رموز النظام العراقي السابق على رأسهم صدام حسين للمحاكمة، ونفذ حكم الإعدام في عدد منهم، وكان إعدام صدام حسين صبيحة يوم عيد الأضحى في 30 ديسمبر/كانون الأول 2006.

وشهد العراق خلال فترة الاحتلال الأميركي منذ عام 2003 عمليات عنف وقتل واسعة النطاق ودموية، ففي حين كان جزء منها أعمال مقاومة للمحتل الأميركي والحكومة العراقية الجديدة في مناطق سنية بالدرجة الأولى وشيعية في بعض المراحل، كان العنف الأكبر والأشرس بين أبناء البلد الواحد في عمليات تفجير متبادلة حصدت أرواح مئات الآلاف. بينما بقي إقليم كردستان بعيدا عن أعمال العنف إلى حد كبير.

وفي 29 يونيو/حزيران 2009 انسحبت القوات الأميركية رسميا من شوارع بغداد والمدن العراقية لتبقي على عدد من قواتها في قواعد عسكرية، وانسحب معظم القوات الأميركية من العراق في 18 ديسمبر/كانون الأول 2011 عن طريق الكويت، وبذلك أعلنت واشنطن انتهاء الحرب بشكل رسمي.

ثروات العراق
ينعم العراق بثروات طبيعية هائلة في مقدمتها النفط والغاز الطبيعي، وإن كانت الكميات المنتجة لا تتناسب مع المخزون المكتشف من هذه الثروات. ويبلغ الناتج القومي العراقي 242 مليار دولار حسب تقديرات عام 2012.

ينتج العراق حسب آخر التقديرات حوالي 2.5 مليون برميل من النفط يوميا، بما يجعله في المرتبة الثالثة عشرة بين الدول المنتجة، في حين يبلغ احتياطي العراق المؤكد للنفط حوالي 115 مليار برميل، إذ يعد احتياطي العراق من النفط الثالث في العالم بعد المملكة العربية السعودية وكندا.

وتشير الولايات المتحدة ووزارة النفط العراقية إلى أن ما يصل إلى 90% من البلاد لا يزال غير مستكشف. إذ يمكن أن تسفر المناطق غير المسكتشفة من العراق عن مائة مليار برميل إضافي.

ينتج العراق حسب تقديرات عام 2008 حوالي 15 مليار متر مكعب من الغاز وهو بهذه الكمية يحتل المرتبة الثانية والثلاثين بين دول العالم من حيث إنتاج الغاز الطبيعي. ويبلغ احتياطيه من الغاز حسب تقديرات عام 2008 حوالي ثلاثة آلاف مليار متر مكعب، وهو بهذه الكمية يحتل المرتبة العاشرة بين دول العالم من حيث احتياطي الغاز الطبيعي المؤكّد.

ويحول عدم الاستقرار الأمني في العراق دون استغلاله لثروة السياحة الدينية والتاريخية التي ينعم بها، فقد تركت الحضارات المتتابعة منذ قدم التاريخ وإلى اليوم آثارها ومواقعها التي لا يزال الكثير منها جاذبا للسياحة. إضافة إلى المراقد والأضرحة والآثار الدينية لمختلف الأديان في العراق.

المجتمع العراقي
قدرت الإحصائيات عام 2011 عدد سكان العراق بـ32 مليون نسمة. ويضم على أرضه خليطا متنوعا من القوميات والأعراق والأجناس والأديان, وغالبية سكان العراق هم من العرب (75%-80%) مع وجود كبير للقومية الكردية (15% -20%) ثم تليها التركمانية والآشورية وكذلك الشبك، مع تواجد للأرمن والشركس وغيرها من الأقليات.

وفي حين يتحدث العربية في العراق غالبية السكان، فإن 20% منهم يتحدثون الكردية، وقرابة 5% يتكلمون التركية. وأعدادا أقل تتحدث الآرامية والمندائية.

ووفقا للتقسيم الديني، فإن 97% من العراقيين مسلمون (سنة وشيعة عربا وأكرادا) ويشكل المسيحيون والصابئة واليزيديون حوالي 3%.

وتشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن 40% من الطبقة الوسطى العراقية فرت من العراق الذي شهد موجات من الهجرة لأبنائه لأسباب سياسية من المعارضة التي اصطدمت بالنظام العراقي السابق، أو خلال وطأة الحصار الطويل للعراق.

وكانت الموجة الكبرى للهجرة الطوعية أو القسرية بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، ووقوع سلسلة طويلة من التفجيرات والقتل المذهبي، وتشير التقديرات إلى هجرة مليوني عراقي إلى دول الجوار والغرب.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية