تعطل العديد من معامل الملابس ومحلات الخياطة يلقي بظلاله على شتاء دمشق (الجزيرة)

أحمد يعقوب-دمشق
 
بصمت يتسلل بين الشقوق الخشبية الضيقة للنوافذ ليدخل إلى منزلك كاللص.. لا يمكنك أن تراه أو تلمسه.. جميع من في المنزل أعداء له.
 
تظن بادئ الأمر أنك تستطيع التغلب عليه إن احتميت بالصوف، لكنه بتدفقه المستمر يخترق دفاعاتك حتى يصل إلى عظامك وينخرها، حينها تعلن استسلامك أمامه لأنك لا تملك ما يقيك شره.
 
إنه البرد القارس في دمشق الذي لا يمكن ليوسف الصالح أو لعائلته نسيان معاناتهم معه العام الماضي.. لقد ظلوا يتجرعون قسوته طوال الشتاء دون أي وسائل فعالة لدرئه، فالموقد أو "الصوبية" كما يحلو لأهالي دمشق تسميته لا يعمل إلا "بالمازوت" الذي أصبح حكرا على الطبقة الغنية لقلته وارتفاع أسعاره.
 
انقطاع الكهرباء
أما المدفأة الكهربائية فهي خيار مستبعد بسبب انقطاع الكهرباء يوميا، ولأنها -إن وجدت- تستهلك كميات كبيرة من الطاقة يعجز يوسف وكثيرون مثله عن تسديد فواتيرها.

وفي اتصال مع الجزيرة نت، قال يوسف متحدثا عن صعوبة تأمين التجهيزات المناسبة لفصل الشتاء القادم "حالنا كحال معظم سكان دمشق، لا نملك المال الكافي لشراء المازوت، ولا يمكننا أيضا أن نلجأ لاستخدام المدفأة الكهربائية لأنها تستهلك الكثير من الكهرباء، وهذا يعني فاتورة ثقيلة لا يمكننا تحملها".

ويضيف "لا يمكننا فعل شيء إلا أن نلتحف ملابس وأغطية من الصوف نملكها منذ أعوام، وقد اهترأت بسبب الاستعمال المستمر، وبطبيعة الحال لا يمكننا أن نشتري قطعا جديدة لأنها مكلفة جدا".

يعمل يوسف في إحدى الشركات الخاصة، ويتقاضى راتبا شهريا يقدر بنحو 22 ألف ليرة سورية. قبل اندلاع الثورة كان هذا المبلغ يؤمن له ولعائلته جميع مستلزماتهم بما فيها خزان المازوت والثياب الجديدة، إضافة إلى دفع أقساط المدارس عن بناته الثلاث ريهام وياسمين وديما.

الركود الاقتصادي أدى إلى ندرة الملابس الشتوية في دمشق وريفها (الجزيرة)

أما الآن ومع ارتفاع أسعار السلع إلى أربعة أضعاف وبقاء رواتب القطاع الخاص دون زيادة تذكر، لا يكفي راتبه حتى لإطعام أسرته خبزا وشايا.

وأمام هذه الحال لجأ -مثل الكثيرين- إلى الاستعانة بالأقرباء المقيمين في الخارج كي يساعدوه ولو بالقليل.

ركود اقتصادي
تدخل دمشق عامها الثالث وسط ركود اقتصادي لم تشهد البلاد له مثيلا منذ عهد الاستقلال، ففي هذه الأيام عادة ما كانت شركات الملابس تطلق منتجاتها الشتوية فيتهافت الناس على شرائها، بعضهم يرغب في شراء آخر صرعات الموضة، وآخرون يريدون مجرد قطع ترد عنهم برد الشتاء.

بينما اليوم، ووسط إغلاق معظم المعامل الكبيرة في ريف دمشق بسبب المواجهات فيها وارتفاع أسعار الملبوسات المستوردة، لم يبق سوى بضعة محلات خياطة تنتج معظم الملبوسات المتاحة في الأسواق، إضافة إلى المعامل الصغيرة التي نقلت إلى مناطق أكثر أمنا، وهي بأغلبيتها ملك لرجالات النظام المهيمنين على السوق.

ويرى الناشط عمر الدمشقي أن الأحياء البعيدة عن القصف تعيش في حالة موت اقتصادي بطيء، لعجز الحكومة عن تأمين مستلزمات الناس المعيشية.

ويضيف الدمشقي -الموجود في أحد أحياء العاصمة- أن "كل من اعتاد أن يعيش بمستوى جيد أو وسط، أصبح اليوم فقيرا.. الأسعار تضاعفت بشكل مخيف، والكثير من المواد الأساسية لم تعد متوفرة، حتى إن العديد من الأفران توقفت عن العمل نتيجة نقص مادة الطحين".

ويرى في حديثه للجزيرة نت أن الأزمة الاقتصادية في العاصمة طالت أيضا أنصار النظام وأفراد جيشه، لكن ما يميزهم عن البقية هو أن باب السرقة مفتوح على مصراعيه أمام رجال الأسد، على حد قوله.

المصدر : الجزيرة