الدبلوماسي النرويجي فتح قنوات سرية في وقت مبكر بين عرفات وإسرائيل (الجزيرة)


روان الضامن

الدبلوماسي النرويجي هانس لونغفا في ذمة الله. عرفته من خلال المقابلة التلفزيونية الوحيدة في مسيرته الحافلة، فقد كان لونغفا بعيدا عن الإعلام، ولم يجر أي لقاء مع كاميرا نرويجية أو عالمية من قبل. لكنه في يوم عيد ميلاده الحادي والسبعين، أجرى لقاء حصريا لفلم "ثمن أوسلو" للجزيرة.

بدأ لونغفا العمل في وزارة الخارجية النرويجية عام 1966، بعد أن أنهى بكالوريوس في الحقوق، وعمل بالسفارات النرويجية في عدة دول ذات مكانة هامة في الشرق الأوسط، حيث عمل أولا بسفارة بلاده في القاهرة ثم في بيروت والكويت والمنامة والدوحة وعدن وصنعاء وأنقرة وباكو ودمشق، ثم عاد إلى بيروت قبيل تقاعده من العمل الدبلوماسي في الشرق الأوسط.

وتركز عمله بعدها على العمل في قوانين البحار ضمن وزارة الخارجية النرويجية التي كلفته عدة مرات بمهمات على أعلى قدر من السرية مع كبار سياسيي دول الشرق الأوسط التي عمل بها لحل أزمات دولية، منها إطلاق صحفيين محتجزين، ونجح فيها بكفاءة.

وجد لونغفا نفسه، أو أُوجد، في قلب الأحداث لسنوات طوال، فكان في بيروت عام 1978 منسقا لعمل القوات النرويجية في فريق اليونيفيل على طول الحدود الجنوبية للبنان، كما حوصر في مقر سفارة النرويج بالكويت في سبتمبر/أيلول 1990.

خلف الكواليس 
وعلى الرغم من عمله المحوري فإن ظهوره الإعلامي كان معدوما تماما، فتكاد لا تجد صورا ثابتة له، ولا أي فيديو مسجلا له في الأرشيف أو اليوتيوب. فهو قد اعتاد العمل من خلف الكواليس، دون إحداث الكثير من الضجيج. ولعله اعتمد المبدأ نفسه خلال مرضه الذي لازمه مؤخرا، فبقي هادئا متماسكا مبتسما حتى وفاته في الثاني عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2013.

لقاء بين عرفات ووفد نرويجي بينهم لونغفا الدبلوماسي النرويجي في بيروت آنذاك
(الجزيرة)

لكنه -وللجزيرة حصريا- قبل وفاته بأشهر معدودة، قرر أن يتكلم بكل صراحة. كانت مقابلتي مع هانس ويلهام لونغفا مع كاميرا الجزيرة تركز على الدور المحوري الذي قام به في التحضير لما سمي في ما بعد باتفاق أوسلو.

كان اللقاء في غاية الود، فهو صاحب وجه سمح وصوت هادئ رزين، مبتسم على الدوام، تشعر به صديقا ولم تلتقه إلا مرة واحدة، لكنه في الوقت ذاته سياسي محنك وخبير. لقد تعلم لونغفا بالخبرة أن المثل القائل "خير الكلام ما قل ودل" هو أساس العمل السياسي. كان لونغفا صامتا قبل اللقاء وبعده، ولم يتحدث إلا فيما سئل عنه، مبتسما كلما أراد الإشارة إلى ما يجب السكوت عنه، وكلما توقف اللقاء لتغيير الشريط أو بطارية التسجيل، جلس صامتا متأملا فيما قاله أو يمكن أن يقوله، بهدوء يبعث على الإعجاب. لكن صمته المتأمل كان منجما للمعلومات القيمة كلما أضاءت الكاميرا باللون الأحمر للتسجيل.

كشف لونغفا في المقابلة لأول مرة أنه في لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي حينها شمعون بيريز ووزير الخارجية النرويجي "ثورفالد ستولتنبرغ" في سبتمبر/أيلول 1992 على هامش افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، اتفقا على أن الوقت "ناضج" لبدء المفاوضات السرية بين إسرائيل ومنظمة التحرير. لم يكشف أي كتاب عن اتفاق أوسلو عن هذا اللقاء وأهميته. كان بيريز وستولتنبرغ، وحزبا العمال النرويجي والعمل الإسرائيلي، يناقشون آفاق التواصل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1979.

قناة سرية
فقد كشف لونغفا في أول لقاء تلفزيوني له العام الجاري، في جزأي الفلم الوثائقي "ثمن أوسلو"، الذي بث في سبتمبر/ أيلول 2013 في الذكرى العشرين لتوقيع أوسلو، تفاصيل أسباب مبادرة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بفتح قناة سرية مع إسرائيل عبر النرويج، وعلاقة ذلك بالثورة الإيرانية واحتياط النفط، وعلاقة نائب وزير الدفاع النرويجي ثم وزير الخارجية النرويجي "يوهان يورغن هولست" بإسرائيل منذ السبعينيات، خاصة أن لونغفا كان المكلف بملف منظمة التحرير طول عقد الثمانينيات وأوائل التسعينيات.

أقصي لونغفا عن مفاوضات أوسلو السرية في النرويج طوال الأشهر التسعة عام 1993. فآخر علاقته بملف المنظمة رسميا كان مع نهاية عام 1992 حين أرسله وزير الخارجية النرويجي "ثورفالد ستولتنبرغ" إلى عرفات كي يطلب من الزعيم الفلسطيني حينها استقبال رئيس مركز الأبحاث النرويجي "فافو" د. تيري رود لارسون، وأن يعطي عرفات لارسون ثقته، لأن لارسون سيتابع أمر المفاوضات السرية، وقد كان.

كشف لونغفا، في جزأي الفلم الوثائقي "ثمن أوسلو"، الذي بث في أيلول/سبتمبر 2013 تفاصيل أسباب مبادرة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بفتح قناة سرية مع إسرائيل عبر النرويج

ابتسمت عندما وصف الراحل لونغفا أسئلتي "بالناعمة القوية" فكانت كلماته وساما من دبلوماسي على قدر عال من الخبرة. بلغني أنه شاهد فلم "ثمن أوسلو" وهو في المستشفى، وأخبرني الزملاء أنه أعرب عن تقديره له. عزاؤنا أن تجربته وجزءا من المعلومات القيمة التي كان شاهد عيان عليها، نقلت من خلال جزئي العمل الوثائقي باللغتين العربية والإنجليزية لأجيال لم تكن تعرف شيئا عن دبلوماسي قدير مثله أحب عمله وأتقنه.

أجريت عشرات اللقاءات في حياتي الصحفية، لكن لقائي الحصري مع هذا الرجل كان مختلفا بكل المقاييس. هو دبلوماسي من الطراز الرفيع، بشوش وحيوي، دقيق ومهني، يعرف متى يتكلم وكيف ومتى يصمت وكيف، صادق لا يكذب، رغم أن مهنته السياسة، إنسان لا يدعي، رغم أن عمله مغلف بالرسميات.

وهو متواضع كسب احترام السياسي والمواطن أينما حل، مختلفا عن كثيرين لا ينظر إلى العرب نظرة دونية، عاش بينهم وفهم ثقافتهم بعمق وأحبهم، وعشق بلاده النرويج وأخلص في العمل من أجلها. قلمه في الوثائق السرية ريشة ترسم لتقرأ ما وراء السطور، وكلماته المتلفزة التي كانت حصريا لفلم "ثمن أوسلو" ألوان تضيء لتفهم كيف حيكت الوقائع.

وداعا هانس لونغفا.

المصدر : الجزيرة