لم يبق أمل لسكان معضمية الشام سوى ضحكة أطفال جائعين (الجزيرة نت)


أحمد يعقوب-دمشق

فاض الدمع من عينيه لمجرد ذكر اسمها، تتزاحم صورها في مخيلته حتى يتراءى له طيفها وكأنها لا تزال بين يديه. لم يتخيل أبو بلال عبيد أن طفلته رنا التي لم تبلغ عامها الثاني سيحصد روحها البريئة جوع لا يرحم أحدا.

ولدت رنوش -كما يحب والدها أن يناديها- في شهر مارس/آذار من العام المنصرم في مدينة معضمية الشام في ريف دمشق. وجاءت ضعيفة، صغيرة الحجم، وعزا الأطباء ذلك لحالات الانهيار العصبي التي رافقت أمها خلال أشهر حملها، تارة بسبب القصف العنيف على المدينة، وتارة أخرى بسبب الغارات الجوية التي أصابت منزلهم.

وبعدها بدأ أبو بلال وزوجته بتقديم العناية اللازمة لطفلتهما رنوش، فاعتمدا على نوع خاص من حليب الأطفال كان الأطباء قد نصحوهما به، إضافة لإرضاعها طبيعيا حتى بدأت ملامح رنوش تظهر شيئا فشيئا، وبدأ معها أمل جديد ترافقه سعادة عائلة لم تدر مصيرها المجهول.

ركام وسقوف
ترعرعت رنوش في منزل والدها، وبدأت تتحسن حالتها يوما بعد يوم وهي تكبر تحت سقف حمل ركام الطوابق العليا المهدمة من المبنى، وكأنه يساهم في مساعدة هذا الأب البائس غير آبه بثقل ما يحمل. ولكن سعادة هذه العائلة لم تكتمل لأن قوات الأسد أطبقت الحصار على المدينة ورنوش لم تبلغ ثمانية أشهر آنذاك.

بنايات خلت من ساكنيها في معضمية الشام بعد الدمار الذي خلفته القوات النظامية
 (الجزيرة نت)

بعد بدء الحصار بما يقارب الشهرين، نفد الحليب المخصص الذي كانت تشربه رنوش، فاعتمد أبو بلال بداية على الحليب البقري والمجفف، ومنذ ذاك الوقت بدأت صحة رنوش بالتدهور شيئا فشيئا، استمرت معاناتها هي وأهلها عدة أشهر، حتى نفد الحليب المجفف وندر وجود الحليب البقري لأن معظم المواشي ذبحت ليأكل الناس لحمها.

ظهرت بعدها على رنوش علامات نقص التغذية بشكل كبير، بدأ وزنها ينقص وعظمها يبرز، وأصبحت شاحبة اللون.

عجز وغضب
يقول أبو بلال للجزيرة نت عن تلك الفترة "شعرت بالعجز والغضب والإحباط وأنا أراها تضيع مني يوما بعد يوم، لم أعرف ماذا أفعل، طرقت كل الأبواب الممكنة في المدينة بحثا عن الحليب أو أي شيء يمكن أن يغذيها، حاول الأطباء أن يعطوها بعض الفيتامينات والأدوية، ولكن عبثاً، فحالتها بقيت في تدهور وأصبحت ابنتي، حبيبتي رنوش... كالشبح، حتى إن صوتها وهي تبكي أصبح خافتا، يا الله .. يا الله".

قبل وفاتها بأيام، توفي أطفال عديدون آخرون في البلدة من سوء التغذية أيضا، حينها أدرك أبو بلال وزوجته أن رنوش ستواجه المصير نفسه. أخذا يعدان اللحظات وهما ينظران إلى طفلتهما وهي تئن أمامهم. ومرت على أبي بلال أيام عديدة لم يذق فيها طعم النوم خشية أن ترحل ابنته عنه دون أن يودعها.

ساءت حالة رنوش كثيرا حتى إنها لم تعد ترضى بأن ترضع من أمها، حملها أبو بلال إلى المستشفى الميداني وهو على يقين بأنهم لن يستطيعوا تقديم شيء لها بسبب النقص الحاد في الأدوية، ولكنه آثر على نفسه الذهاب إليه وخاصة عندما سمع أهالي المدينة يتحدثون عن دخول مساعدات غذائية وطبية من الصليب الأحمر فرأى بارقة أمل.

منع المساعدات
ولكن شحنة المساعدات منعت من الدخول، والمانع هو القوات النظامية التي قصفت المدن واستباحت الحرمات وحاصرت الأطفال حتى ماتوا جوعا، حسب ما يقول ناشطون.

ارتقت رنوش أمام ناظري أمها وأبيها، وكل ذنبها أنها ولدت في مدينة الزيتون، وتلاشت الآمال والأحلام، وانهارت أم رنوش باكية حتى كادت أن تصاب بسكتة قلبية.

وبنظرات منكسرة يختم أبو بلال قائلا "لا يمكن أن أصف حزني على رنوش، ولكن ما يواسيني أحيانا أني أعلم أنها عند خالقها، حيث لا جوع ولا برد ولا قصف يمكن أن ينال منها".

المصدر : الجزيرة