ساتر من  القماش في واحدة من مناطق التماس بين المعارضة والنظام في حي صلاح الدين (الجزيرة)

 محمد النجار - حلب

بسرعة تمر أم إبراهيم وأطفالها بالقرب من خط الجبهة الذي يفصل جنود المعارضة السورية عشرات الأمتار فقط عن جنود النظام في حي صلاح الدين في حلب ، فالناس تعرف هنا متى تسرع ومتى تبطيء، ومتى تسير إلى جانب الجدران.

أشارت لنا، وهي بالكاد تلتقط أنفاسها، إلى مكان قالت إنه يتمركز فيه قناص للنظام، وإنها اعتادت المرور مع أطفالها بسرعة لأن أكثر من شخص من أهالي المنطقة قتلوا أو أصيبوا برصاصه.

كان لافتا أن المكان الذي أشارت إليه المرأة مغطى بساتر قماشي طويل، لكنها أوضحت أن الستار قد تعرض للخرق من أكثر من مكان من قبل القناص نفسه الذي أوقع رصاصه جانبا منه أعاد له الرؤية كما تقول.

في الحي الذي يعتبر واحدا من أهم أحياء حلب الذي تسيطر المعارضة على معظمه، بينما يسيطر النظام على أجزاء منه، لا يتوقف تبادل إطلاق الرصاص، وأحيانا تصل القذائف التي تطلقها قوات النظام بعض الشوارع سواء المأهولة أو الخالية من السكان بين الفينة والأخرى.

يحاول السوريون بمناطق التماس وبالتعاون مع مقاتلي المعارضة المسلحة والجيش الحر حماية حاراتهم من القناصة المتمركزين على البنايات العالية بمناطق التماس، وأنجع الطرق كما اهتدوا لها مؤخرا كانت وضع ما بات يعرف بـ "جدران القماش".

على ارتفاعات متفاوتة تم توصيل قطع كبيرة من القماش ببعضها وحياكتها إما يدويا، أو في ماكينات الخياطة المتخصصة، أطوالها ممكن أن تغطي شارعا بعرض ثمانية أمتار بين عمارتين تتكون كل منهما من خمسة طوابق، وتقل الأطوال والأعراض أو تزيد تبعا لطبيعة المكان.

هذا المشهد لا يقتصر على حي صلاح الدين، فيمكن مشاهدته في أحياء عدة من حلب، في حي المشهد المواجه لقصر محافظ حلب وللإذاعة، بدا الأمر منتشرا بالشوارع المواجهة للقناصة، وعلى العمارات التي لا يزال ساكنوها يصرون على البقاء فيها رغم الرصاص الذي لا يتوقفون عن سماعه بين الفينة والأخرى.

قال لنا إبراهيم، وهو شاب يسكن حي المشهد، إن الناس باتت تتعايش مع هذه الأوضاع، وإن وجود قناصة النظام في مواجهة مناطق سكنهم دفعهم لوضع بعض القماش. غير أنه اعتبر أن الناس لم تعد تمر مسرعة من الشوارع التي يكشفها رصاص القناصة، وتابع "لكثرة الذين ماتوا والمتوزعين على كل بيوت الحي لم يعد أمامنا إلا أن نتعايش مع مزاج القناصة بقنص المدنيين أو حصر معركتهم مع من يقاتلونهم من جنود الجيش الحر".

جدار من الحافلات المحترقة في حي بستان القصر بحلب (الجزيرة)

هياكل حافلات
لا تقتصر وقاية السوريين من القناصة على "جدران القماش" فإحدى الطرق الأولى بهذه الوقاية منذ دخول المواجهات المسلحة إلى حلب قبل 14 شهرا كانت ولا زالت استخدام هياكل الحافلات التي تنتشر بأحياء عدة، أبرزها حي الاخور الذي لا زال يحتفظ بسواتر من هذه الهياكل.

يمكن مشاهدة "جدران هياكل الحافلات" بمنطقة المعبر التي تفصل بين منطقتي سيطرة المعارضة والنظام في حي بستان القصر، حيث يراد منها حجب الرؤية عن القناصة ولو لمدى محدود.

واحدة من طرق الوقاية من القناصة تتمثل بقطع الطرق على المدنيين والسيارات ومنعهم من استخدامها.

فلا يوجد جسر بمناطق حلب التي تسيطر عليها المعارضة يعمل، فقد تم إغلاقها بأكوام من الحجارة والرمل، وهذا ما شاهدناه بالجسور المحاذية لأحياء الشعار والصاخور والشيخ سعيد، والسبب كما يقول جنود الفصائل المسلحة المتمركزون على الحواجز القريبة هو أن قناصة جنود النظام يكشفون هذه الجسور ويخشى من استهداف مستخدميها.

وبينما تقول الفصائل إن لديها قناصة يخوضون معركة مع قناصة النظام، يبدو المدنيون الحلقة الأضعف، وهو ما ألجأهم تارة لجدران الأقمشة، وأخرى لجدران الحافلات، وثالثة لجدران أكوام الحجارة وأنقاض المباني المهدمة، ولا يعرف هؤلاء أي نوع من الجدران قد يضطرون لابتداعه للوقاية من حرب طالت ولا يعرفون نهاية لها.

المصدر : الجزيرة