نصب تذكاري رمزي على شكل شاهد قبر الأرمني هرانت دينك أمام مقر جريدته بإسطنبول (الجزيرة نت)

وسيمة بن صالح - إسطنبول
 
أصبحت جريمة قتل الصحفي التركي الأرمني الأصل هرانت دينك أشهر قضية كراهية بتركيا بالنظر إلى الاهتمام الحقوقي الذي حظيت به، حيث نشطت جمعيات وحملات مدنية تطالب الدولة بالتصدي لهذه الفئة من الجرائم.
 
وبالرغم من عدم وجود مثل هذه الفئة من الجرائم في القوانين التركية، فإن "الجميع" يعرف أن هوية الصحفي الأرمنية كانت السبب الرئيسي لقتله على يد شاب تركي قال إنه لم يحتمل سبّه للأتراك.
 
ودينك الذي قتل في 19 يناير/كانون الثاني عام 2007 أمام مقر جريدته بوسط إسطنبول، كان يطالب تركيا بالاعتراف بما يعرف بمذابح الأرمن، وقد تعرض لملاحقات من القضاء بتهمة إهانة الهوية التركية نتيجة تصريحات حول الموضوع أثارت غضب القوميين الأتراك.
 
ولم يعاقب قاتل الصحفي الأرمني لارتكابه جريمة كراهية بل بتهمة القتل والانضمام إلى منظمة إرهابية وحمل سلاح غير مرخص، وصدر عليه حكم بالسجن 23 سنة من قبل محكمة الأحداث لأن عمره كان 17 عاما وقت الحادث.
 
حملات وجمعيات
وجاء مقتل دينك، ليفتح الأبواب لإطلاق حملات وجمعيات بتركيا بشكل علني، لمحاربة هذا النوع من الجرائم، والاعتراف بوجوده والنص عليه في قانون العقوبات.
 
وكان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد أعلن نهاية الشهر الماضي، رفع عقوبة جرائم الكراهية والتمييز من سنة إلى ثلاث سنوات من السجن.
 
لكن المهتمين بهذا الملف يرون أن القضية تحتاج إلى المزيد من العمل ليس فقط على مستوى القانون وإنما في الإعلام والتعليم.
 
شينسيفار: سياسة حزب العدالة والتنمية جعلت الأقليات تخرج من عزلتها (الجزيرة نت)
ويُعد العاملون في مشروع رصد خطاب الكراهية في الإعلام التركي بمؤسسة "هرانت دينك" منذ عام 2009 تقارير عن التصريحات والعبارات المسيئة إلى الأقليات والإثنيات في الصحف التركية.
 
وأفادت منسقة المشروع نوران كيليشلي أن استعمال هذا الخطاب في الصحف المطبوعة بدأ يقل بعد مقتل دينك، لكنه تزايد في الصحف الإلكترونية، حسب تعبيرها.
 
ورغم ترحيبها برفع عقوبة هذا النوع من الجرائم فإنها أشارت في تصريح للجزيرة نت إلى أنه لا يمكن حل هذه المسألة بسن القوانين فقط لأنها قضية أيديولوجية يلعب التعليم والإعلام دورا كبيرا في التأثير فيها، مما يحتم إدخال تغييرات في هذين القطاعين.
 
كذلك تركز جمعية من أجل التغيير الاجتماعي -التي كان مقتل دينك سببا في إنشائها- على محاربة جرائم الكراهية.
 
الأقليات والإثنيات
ويقول أمينها العام لاواند شينسيفار إن نتائج أبحاثهم تشير إلى أن أكثر الفئات المتضررة من خطاب الكراهية هي أقلية الغجر والإثنيات بشكل عام.
 
وأشار إلى أن سياسة الانفتاح على الأقليات الدينية والإثنيات التي انتهجها حزب العدالة والتنمية جعلت هذه الفئات تخرج من عزلتها وتبرز هويتها علنا لتدافع عن حقوقها، مما جعلها عرضة لمثل هذه الجرائم من قبل القوميين المتشددين بتركيا، حسب تعبيره.
 
"المؤسسات الرسمية والمنظمات غير الحكومية لا تتوفر على قاعدة بيانات توضح حجم جرائم الكراهية نظرا لعدم تصنيفها قضائيا وقانونيا
ورغم تأكيده على أن الأقليات غير المسلمة هي أكبر ضحية لهذه الجرائم، فإنه أقر بوجود ظاهرة "الإسلام فوبيا" في تركيا من قبل من وصفهم بالعلمانيين المتشددين.
 
وأكد دعم جمعيته لقانون يجعل جرائم الكراهية فئة مستقلة، لكنه طالب الدولة بمحاربة القضية عبر علاج أبعادها وإنشاء إستراتيجية متينة لمحاربتها.
 
ونبه إلى أن المؤسسات الرسمية والمنظمات غير الحكومية لا تتوفر على قاعدة بيانات وإحصاءات توضح حجم هذه الجرائم والمناطق التي تنتشر فيها، لعدم وجود نهج خاص للتحقيق فيها، وبالتالي فهي تسجل على أنها جرائم قتل عادية، مما يجعل الضحايا ينعزلون أكثر ويعيشون في خوف دائم من استهدافهم، حسب تعبيره.
 
بدوره، أقر أحد المدعين العامّين بمحكمة الاستئناف العليا في أنقرة بعدم وجود منهج خاص بالشرطة والنيابة العامة للبحث والتحقيق في هذا النوع من الجرائم، "لعدم وجود هذه الفئة في القوانين التركية'' باستثناء نصوص تعاقب كل من يحرض ويشجع الرأي العام على الكراهية ونشر البغضاء.
 
لكنه أشار إلى أن مثل هذا المنهج ليس ضروريا إذا ما تم تعديل الإفادات العامة في القوانين الموجودة، لتحدد بشكل واضح وصريح الفئات التي لا يجوز التعرض لها، ''لكن بأسمائها وليس فقط بشكل عام''.
 
ويذهب إلى أن هذا سيقطع الطريق أمام التأويلات وترك مصير تقرير نوع الجريمة للعاملين في مجال القضاء والنيابة العامة.

المصدر : الجزيرة