المباني الأثرية في حلب دفعت فاتورة الحرب فشملها الخراب والدمار (الجزيرة)

محمد النجار-حلب

على وقع القصف وتبادل إطلاق النار، لا يسع المتجول في أزقة مدينة حلب القديمة سوى التحسر على كنوز يعود تاريخها لأكثر من ألف عام وتحكي ماضي المنطقة وأنماط الحياة التي عاشتها على مرّ العصور.
 
في الطريق من "باب المقام" إلى حلب القديمة يتلمّس الداخل إلى تلك الأزقة عودة الحياة شيئا فشيئا إلى هناك، حيث فتحت بعض المتاجر أبوابها وتسللت لها روائح الخبز البلدي والمعجنات المصنوعة في أفرن التنور القديمة.
 
لكن هذه الحياة تبدأ بالتلاشي بالقرب من "البيمارستان الأرغوني" الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1254 ميلادية وتحول لمتحف للطب والعلوم، حيث تبدأ منطقة الإغلاق من قبل قوات المعارضة المسلحة وصولا للمسجد الكبير (الأموي)، محور الاشتباك الرئيسي مع قوات النظام الساعية لاستعادته من جهة قلعة حلب المجاورة.
 
أزقة مدمرة
ويمكن رصد حجم ما خلفته المعارك من دمار في الأزقة التي تعتبر منطقة العمليات الرئيسية بين كتيبة عمر بن عبد العزيز التي تتبع الجيش وبين قوات النظام "المدعومة من حزب الله ولواء أبي الفضل العباس.
 
ويعبّر الحاج إبراهيم البالغ من العمر 72 عاما عن حزنه لما تتعرض له البلدة القديمة بحلب بالقول "هذا كنز للبشرية، وليس لأهل حلب أو سوريا فقط".
 
المدنيون المتبقون في حلب تعايشوا مع أجواء المعارك (الجزيرة)
لكنه اعتبر أن "لا خوف على الحجر بعد أن مات البشر"، وقال إنه ولد في بيته في حلب القديمة وإنه لن يهجره إلى أن يلقى وجه ربه.
 
في الجولة يبدو جليا حجم الدمار الذي لحق بجامع العادلية بحلب الذي شيّد في عهد الوالي حمد باشا عام 1556م.
 
وقبل وصول موفد الجزيرة نت بساعات، ضربت قذيفة دبابة مئذنة المسجد التاريخي التي لا تزال صامدة رغم تعرضها للقصف بين الفينة والأخرى.
 
وقد أوقع القصف جزءًا من أقواس المسجد، كما ألحق أضرارا بقبابه إلى جانب انتشار الحطام ومخلفات القصف في أركانه.
 
سوق الخان
أما محلات سوق "الخان" فتبدو مغلقة، مما يؤشر على انعدام الحياة في المكان. ويبدو الدمار حاضرا في الحمام النحاسي الذي يعتبر فريدا من نوعه في بلاد الشام، في حين يلاحظ عموم الخراب كلما تقدم السير نحو الجامع الأموي.
 
وعلى بعد 20 مترا من الجامع طلب المرافقون من طاقم الجزيرة نت العودة نظرا لخطورة الأوضاع هناك، بعد ليلة شهدت محاولة من جنود النظام والكتائب الموالية لهم اقتحام المسجد وتحقيق اختراق في الجبهة.
 
عمران حلب دمرته المعارك بعد صمود دام لمئات السنين (الجزيرة)
ويوضح قائد كتيبة عمر بن عبد العزيز (أبو أسعد) أن حلب القديمة تعتبر واحدة من أخطر ساحات القتال في خطوط المواجهة التي لا تزال مشتعلة.
 
ويضيف للجزيرة أن الأوضاع في المدينة متوترة للغاية، قائلا "أمس كانت المعارك بين الطرفين على بعد أمتار قليلة، وتمكنا من صد الهجوم وإيقاع إصابات مباشرة بالمقتحمين الذين فروا من المكان".
 
وحسب قائد كتيبة عمر بن عبد العزيز فإن المسافة بين قوات المعارضة وكتائب النظام لا تتجاوز 30 مترا.
 
ويتهم قوات النظام بتعمد قصف وتدمير معالم حلب القديمة، قائلا "استمعنا عبر التجسس على إشارتهم أحد قادتهم يأمر بقصف مئذنة مسجد العادلي حتى إسقاطها".
 
ومن اللافت في حلب تعايش المدنيين مع القصف اليومي القريب منهم والذي يشملهم أحيانا. ويقول أبو محمد -وهو صاحب بقالة قريبة من خطوط الجبهة- إن الحياة باتت اعتيادية لمن بقي من السكان، "الذين هجر معظمهم بيوتهم هنا وانتقلوا لمناطق أكثر أمنا أو خرجوا من حلب كلها".
 
ويضيف للجزيرة نت أن "من بين نحو 150 عائلة في البلدة القديمة لم يتبق على ما أذكر سوى 15 عائلة أو أقل، وهؤلاء لم يجدوا مكانا يلجؤون إليه".

المصدر : الجزيرة