يتكرر مشهد الجثث المتراصة بالعشرات والمئات في مصر منذ الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز الماضي (الجزيرة)
كان خصوم الرئيس المعزول محمد مرسي يتهمونه بأنه قسّم الشعب المصري، وبرر وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي انقلابه على مرسي بأنه يريد إنقاذ البلاد من منزلق كان مرسي يقودها إليه، لكن المتابع بعد مائة يوم على الانقلاب وخريطته السياسية الجديدة، لن يجد صعوبة في أن يدرك أن مصر قد باتت أكثر انقساما وأقل استقرارا.

وبعدما أصبح أول رئيس مصري يأتي بانتخابات ديمقراطية حرة منذ عهد بعيد، صادف مرسي صعوبات وممانعات لم ينجح معها في توحيد المصريين في المائة يوم الأولى من حكمه، وعندما خرج السيسي ليعلن عن خريطة سياسية جديدة عين فيها رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور رئيسا مؤقتا، لم ينجح ذلك في معالجة الانقسام، بل إنه تضاعف كمّا وتفاقم نوعا.

وإذا قارنا بين المائة يوم الأولى في عهد مرسي ومثلها في ظل الانقلاب، فلم تشهد تلك الفترة خلافات تذكر في عهد مرسي، واقتصر الأمر على فريق من المصريين يشكك في مرسي أو جدارته في تحقيق هذا الفوز أو قدرته على إنجاز ما وعد المصريين به خلال الحملة الانتخابية، وكان لافتا أن لهذا الفريق صوتا واضحا بالنظر إلى امتلاكه وسيطرته على معظم المنابر الإعلامية من إذاعات وقنوات فضائية وصحف ومواقع إلكترونية.

لكن الحال في نفس الفترة من عمر الانقلاب يختلف كثيرا، فمقابل نحو 150 شخصا من المصريين لقوا حتفهم في مظاهرات واشتباكات جرت طوال العام الأول من حكم مرسي، فإن مائة يوم من الخريطة السياسية الجديدة شهدت قتلى ومصابين بالآلاف كان النصيب الأكبر منهم خلال تدخل الجيش والشرطة لفض اعتصام مؤيدي مرسي في ميداني رابعة العدوية والنهضة والذي أدى إلى مقتل ما يقرب من ألف شخص حسب منظمات حقوقية، و2600 حسب التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب الذي تنضوي تحت لوائه القوى الرافضة للانقلاب والمتمسكة بشرعية مرسي.

بات من المألوف داخل الأسرة الواحدة أن تجد أخا يقاطع أخاه أو زوجا يخاصم زوجته بسبب الخلاف السياسي الذي تحول إلى حالة استقطاب حاد

انقسام غير مسبوق
ويلفت الباحث السياسي أشرف العطار النظر إلى أن الانقسام الذي تشهده مصر حاليا لا يقارن لضخامته بما كان عليه الحال أيام مرسي أو حتى من سبقه من الرؤساء، ويدلل على ذلك للجزيرة نت بأنه حتى داخل الأسرة الواحدة بات من المألوف أن نجد أخا يقاطع أخاه أو زوجا يخاصم زوجته بسبب الخلاف السياسي الذي تحول إلى حالة استقطاب حاد تشهد تمسك كل طرف برأيه ورؤيته دون أي قدر من الانفتاح أو حتى الاستماع للآخر.

ويعبر العطار عن خشيته من أن تكون الحالة في مصر بهذا الشأن قد وصلت إلى درجة يصعب إصلاحها في وقت قريب، ويقول إن الأمر بات متفشيا ومخيفا لدرجة أن الأصدقاء المختلفين في الرأي إما أنهم خسروا علاقة ود بنوها على مدى سنوات، وإما أنهم اتفقوا على أن تخلو لقاءاتهم من السياسة والحديث فيها لتجنب هذا المصير.

كما يشير أيضا إلى أن كثيرا من المقاهي في مصر باتت تضع لافتات تطلب عدم الحديث في السياسة، كما أن بعضها بات يتجنب تشغيل القنوات الفضائية التي تهتم بالشأن السياسي وذلك لتجنب إثارة نقاشات أثبتت التجربة أنها تتحول سريعا إلى جدل حاد وربما إلى اشتباك لفظي وحتى بالأيدي.

الأهالي أو "المواطنون الشرفاء" مصطلحان يطلقان على من يساعدون الشرطة والجيش في التصدي لمعارضي الانقلاب (رويترز)

المواطنون الشرفاء
ووصل الانقسام إلى تصدي مواطنين مصريين لإجهاض أو إنهاء أو عرقلة مظاهرات ينظمها مصريون آخرون، وبات الإعلام المحلي في مصر مليئا بالأخبار التي تتحدث عن أن الأهالي أو "المواطنين الشرفاء" هم من تدخلوا بأنفسهم لمواجهة مظاهرات مؤيدي مرسي أو للقبض على أعضاء بجماعة الإخوان المسلمين التي باتت المطلوب الأول للسلطة والمتهم الأول في كل الجرائم تقريبا.

وبعد أن كان هناك البلطجية الذين يؤدون مهام قذرة لحساب الشرطة مقابل الحصول على منافع مختلفة بينها التغاضي عما قد يرتكبونه من جرائم، فقد أصبح هناك من المواطنين المتحمسين من يتدخل لمساعدة الشرطة في إيقاف مظاهرات مؤيدي مرسي الذين شيطنهم الإعلام بحملات تصفهم تصريحا أو تلميحا بأنهم إرهابيون يريدون الإضرار بمصر وأهلها وجيشها.

كان هناك إذن درجة من الانقسام بين المصريين في عهد مرسي وخصوصا شهوره الأولى، لكنها كانت درجة مقبولة ومحصورة غالبا في نطاق السياسة دون أن تتطور إلى العنف، أما الآن فالانقسام حاد ونطاقه تخطى السياسة إلى العلاقات المجتمعية، كما أن مظاهره باتت مفتوحة على كل الاحتمالات ومنها إراقة الدماء.

المصدر : الجزيرة