الأسد بين مؤيديه بعد انتهائه من الخطاب (رويترز)

أحمد السباعي

بعيدا عن الساسة وآرائهم والمحللين وتحليلاتهم، هناك الكثير مما لم يقل في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد من الناحية النفسية وحركات الجسد وطريقة الكلام والنظرات التي تشير إلى أكثر مما كشفه الأسد.

فالمتخصصون في هذا الشأن انقسموا حيال الخطاب السادس للأسد بعد نحو 22 شهرا من الثورة ضده، بين من اعتبره دليل ثقة وقوة، وآخرين أكدوا أنه كان مرتبكا ضعيف الحجة في الأداء والمضمون.

أستاذ الطب النفسي اللبناني جمال حافظ أكد أن حركات الأسد وتعابير وجهه ونظراته وتكراره للكلمات والتأكيد عليها والارتجال في بعضها والوقوف لنحو ساعة (مدة الخطاب) ونبرة صوته والتغيير فيها، تدل على أنه واثق من نفسه ومقتنع بما يقول ومرتاح لوضعه ولا يعاني من أي مشاكل.

وأضاف أن شرحه لموقفه (رؤيته للحل السياسي) يشير إلى أن الأسد كان يتكلم من منطق قوة (أنا موجود، أنا مفاوض، أنا مطلع على كافة الأمور وأتحكم فيها) دون الشعور بخوف أو قلق نفسي، مدللا بذلك على أنه كان يعيد الجمل التي ينساها، واستخدم كلمة "إذا" في أكثر من مناسبة للاستدراك ووضع النقاط على الحروف.

وخلص أستاذ الطب النفسي إلى أن الأسد رد في الخطاب على كل ما قيل إنه "منهار نفسيا" ومعنوياته في الحضيض ويبحث عن مكان للجوء، مشيرا إلى أن الشخص القلق يتلعثم كثيرا ويرجف ولا يخطب لمدة ساعة.. لا يضحك، ولا يعطي أمثلة خارج النص.

ولفت إلى أن التقليل من شأن المعارضة -وخصوصا في موضوع التفاوض- رسالة نفسية أراد بها الأسد القول إنه الوحيد القادر على التفاوض، والطرف الثاني غير موجود.

video
خطاب مسجل
في المقابل يرى الباحث والأكاديمي غسان شبانة أن خطاب الأسد الأخير طبعته أربع نقاط رئيسية: أولا عدم تمكنه من الناحية اللغوية من إقناع المجتمعين، وحركات اليدين والرأس والجسد لم تكن متناسقة بسبب الحدث وموقعه، وكان هناك إنهاك شبه تام للجسد والعقل وخصوصا من ناحية التركيز الذي افتقده الأسد خلال الخطاب. والنقطة الأخيرة أن التواصل البصري بينه وبين الجمهور كان شبه مفقود، إضافة إلى التلعثم وعدم الوضوح.

واعتبر أن الأسد كان غائبا بشكل كامل خلال إلقائه الخطاب، فبغض النظر عن مضمونه الذي كان بعيدا عن الواقع، لم يذكر أي حدث جديد كالمبادرة الإيرانية والحراك المصري السعودي والروسي والأميركي والمبعوثيْن المشتركيْن لسوريا الأخضر الإبراهيمي وكوفي عنان ومبادراتهما.

ورأى شبانة أن الخطاب كان مسجلاً قبل خمسة أشهر على الأقل، وأنه لم يكن مباشرا، وأن إغلاق الطرق وقطع الاتصالات والإجراءات الأمنية اليوم كانت "مجرد مسرحية" للأسباب التالية: هناك تأخير في التصفيق بعد كلام الأسد، إضافة إلى أن الجمهور كان يصفق لأمور لا يصفق لها، كقوله إننا نقتل "الإرهابيين"، فمن يصفق للقتل؟ وملابس الجمهور لا توحي أنهم في فصل الشتاء بسوريا التي تصل فيها درجة الحرارة إلى خمس درجات.

وأوضح أن الوضع الأمني في دمشق يفرض أن تسمع إطلاق نار وأصوات قذائف طائرات عمودية ونفاثة تحيط بدار الأوبرا الذي يبعد أمتارا عن القصر الرئاسي.

ورافقت هذه التحليلات معلومات نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تفيد بأن مجلس الشعب دعي للاجتماع على أساس الخطاب فيه، وأيضا أعضاء الهيئة التدريسية في مدرج جامعة دمشق لأجل التمويه.

العلم السوري خلف الأسد وقد رسمت عليه وجوه مئات القتلى الحكوميين (الفرنسية)

أضاليل إعلامية
هذه المعلومات سخر منها عضو مجلس الشعب والمحلل السياسي شريف شحادة، مؤكدا عدم دعوة المجلس إلى الاجتماع، وأنه كان على علم مسبق بموقع الخطاب وتوقيته اللذين لم يتغيرا، ولفت إلى أن الخطاب كان مباشرا على الهواء من دار الأوبرا، وأن الحاضرين وصلوا إلى المكان قبل الخطاب بنحو ساعة، وخرج الرئيس الأسد بعد الانتهاء من الخطاب إلى منزله "سالما وغانما".

وخلص إلى أن هذه الأضاليل جزء من الحرب الإعلامية التي تشن على سوريا.

بدوره قال الكاتب البريطاني روبرت فيسك إن الأسد كان يخاطب "جنوده وأرواح 12 ألف قتيل منهم". وأضاف أن وجوه المئات من القتلى الحكوميين رُسمت على علم سوري ضخم لُوّن بالأحمر والأبيض والأسود، وثُبت على جدار دار أوبرا الأسد خلف الرئيس لإرسال رسالة مفادها أن "الجيش هو العمود الفقري".

وأوضح أن الأسد أدى لهم التحية العسكرية وأشاد بهم دون ذكر حزب البعث، وأشار باقتضاب إلى المليشيا الحكومية المكروهة (الشبيحة).

وقال فيسك إن الذين يكرهون الأسد سيذكرون أن هتلر أدلى بأهم خطبه في دار أوبرا كرول ببرلين، وأهم خطب الأسد تمت أمس بدار أوبرا الأسد التي افتتحها قبل تسع سنوات.

أما المحلل السياسي رياض قهوجي فأكد أن الأسد الذي لم يشذ عن قاعدة خطابات قادة حزب البعث الذين اعتادوا على إلقاء الخطاب ضمن آلاف من جماهيرهم "الهتافين"، يعيش في حالة إنكار، وأنه قريب من الانتصار العسكري على المعارضة، نافيا وجود ثورة مستمرة في البلاد منذ 22 شهرا.

المصدر : الجزيرة