الرئيس السوري تحدث في خطاباته عن إصلاحات ومبادرات بلا انعكاس على الأرض (الجزيرة)

عبد الرحمن أبو العُلا

بعد مرور قرابة 22 شهرا على اندلاع الثورة الشعبية السورية المطالبة بإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، وبعد غياب طال أكثر من ستة أشهر منذ خطابه الأخير، جاء خطاب الأسد اليوم محاولا طرح حلول قد تكون أخيرة للأزمة المتصاعدة في بلاده.

وألقى الرئيس بشار الأسد ستة خطابات منذ اندلاع الثورة في مارس/آذار 2011. حرص خلالها على تكرار الحديث عن "المؤامرات الخارجية" التي تحاك ضد بلاده، وهي المقولة التي رددها الإعلام السوري طيلة شهور الثورة حتى الآن.

الأسد ألقى ستة خطابات منذ اندلاع الثورة في مارس 2011، حرص خلالها على تكرار الحديث عن "المؤامرات الخارجية" التي تحاك ضد بلاده

وفي كل خطاباته، حاول الأسد تصنيف المعارضين له، مشددا على أن أغلبهم يقف في صف أعداء الوطن. ومنذ الخطاب الأول يعد الأسد بالقيام بإصلاحات يحاول بها السيطرة على الأوضاع في بلاده قبل أن تخرج الأمور عن سيطرته مؤخرا في مناطق عدة بسوريا على يد الجيش السوري الحر.

ففي أول كلمة علنية له منذ اندلاع الاحتجاجات في جنوب سوريا وامتدادها لوسط البلاد والمناطق الساحلية، اعترف الأسد في 30 مارس/آذار 2011 أمام البرلمان بأن الإصلاح تأخر "لكن سوريا ستبدأ الآن"، موضحا "نريد أن نسرع ولا نتسرع".

وفي محاولة أولى لاستيعاب حركة الاحتجاجات، قال الأسد إنه ليس كل من خرج للمظاهرات متآمر بل الغالبية خرجت بشكل عفوي وحرّكتها أقلية متآمرة. وأضاف أنه كانت هناك تعليمات بمنع جرح أي مواطن خلال الاحتجاجات، وكان هناك حرص على عدم إراقة دماء، وأنه سيعمل بأقصى سرعة للملمة الجراح ورأب الصدع، الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن بعد أن ارتفع عدد قتلى الثورة إلى أكثر من 60 ألفا بحسب الأمم المتحدة.

إلغاء الطوارئ
ووعد الأسد في خطابه الثاني الذي ألقاه في 16 أبريل/نيسان 2011 بإلغاء قانون الطوارئ المعمول به منذ 1963 ومحكمة أمن الدولة، ودعا الحكومة الجديدة في بلاده إلى خطوات إصلاحية.

لكن القبضة الأمنية اشتدت على المتظاهرين على يد قوات الأمن وعناصر الشبيحة، فيما انطلقت آليات الجيش لملاحقة الانتفاضات الشعبية، بدءا من درعا التي نكبت بحصار طويل، مرورا بتلكلخ على الحدود مع لبنان، وليس انتهاء بجسر الشغور على الحدود مع تركيا.

الأسد ألغى حالة الطوارئ
لكن القتل استمر
(الفرنسية-أرشيف)

وجاء الخطاب الثالث للأسد في 20 يونيو/حزيران 2011 في وقت ازدادت فيه العقوبات الأميركية والأوروبية على النظام السوري، وإن كانت هذه الخطوات لم تصل إلى القسوة التي تهدد النظام بأكمله أو تدفعه للإسراع في التعامل مع الأزمة.

ولكن يبدو أن الرئيس السوري سعى هذه المرة لتعزيز موقف روسيا والصين الرافضتين لفرض عقوبات أممية على النظام، والحصول بالتالي على المزيد من الوقت لمعالجة الأزمة المتصاعدة في بلاده. وتحدث عن تشكيل لجنة حوار وطني، مشيرا إلى انتخاب مجلس شعب جديد في أغسطس/آب 2011.

وقسّم الأسد -في كلمته التي ألقاها بجامعة دمشق- المشاركين في الاحتجاجات إلى ثلاثة أنواع، وصف أولهم بأصحاب مطالب وثانيهم بالمخربين وثالثهم بأصحاب فكر متطرف.

ووعد الأسد بدراسة المطالب الشعبية ومنها دعوة وزارة العدل إلى التوسع في العفو. وقال إن "المخربين يتخذون من أجهزة الدولة هدفا. الفوضى لهم فرصة ذهبية". وفيما يتعلق بالفئة الثالثة قال إنهم "أصحاب الفكر المتطرف والتكفيري.. يقتلون باسم الدين وينشرون الفوضى تحت اسم الحرية".

لا تنحي
وجاء خطاب الأسد الرابع في 10 يناير/كانون الثاني 2012 حيث أعاد الحديث عن التآمر الخارجي وتزوير الأحداث من خلال الإعلام المأجور.

وألمح الأسد إلى أنه لن يتخلى عن السلطة إلا برغبة الشعب، وقال إنه صاحب المبادرة بقدوم لجنة للمراقبين للمشاهدة على الطبيعة وإن هذه المبادرة تم تجاهلها فلما وجدوا منه "نية صادقة للإصلاح عادوا ليطرحوها". وأوضح أنه غير عابئ بتعليق عضوية سوريا بالجامعة العربية.

الأسد أعلن في خطاباته أنه لن يتخلى عن السلطة إلا برغبة الشعب (الجزيرة-أرشيف)

وعدّد الأسد ملامح الإصلاح الذي بدأه مثل رفع حالة الطوارئ والسماح بتعدد الأحزاب وإجراء انتخابات الإدارة المحلية وحرية الإعلام وقانون الانتخابات ومكافحة الفساد وتعديلات دستورية.

أما خطاب الأسد الخامس في 3 يونيو/حزيران 2012 فصعّد فيه من لهجته بمواجهة الاحتجاجات ضد نظامه، معلنا أن "لا مهادنة ولا تسامح مع الإرهاب".

وقال في الخطاب الذي ألقاه أمام مجلس الشعب المنتخب حديثا وقتها إن سوريا لا تواجه مشكلة سياسية بل "مشروع فتنة أساسه الإرهاب وحربا حقيقية من الخارج". وأكد أن الأمن في البلاد "خط أحمر".

ورأى الأسد أن العملية السياسية في سوريا تسير إلى الأمام وأن "الإرهاب يتصاعد دون توقف"، مضيفا أن "الإرهابي كلف بمهمة ولن يتوقف حتى ينجز هذه المهمة ولا يتأثر ببكاء الأرامل والثكالى". وشدد الرئيس السوري على أن "لا مهادنة ولا تسامح مع الإرهاب، وعلينا أن نكافح الإرهاب لكي يشفى الوطن".

وأبدى استعداده للحوار مع المعارضة "شرط ألا تكون هناك قوى تطالب بتدخل خارجي أو انغمست في دعم الإرهاب".

قدم الأسد اليوم ما وصفه بمبادرة من عدة مراحل لوقف الصراع في بلاده، تبدأ بالتزام الدول المعنية بوقف تسليح وتمويل المسلحين، قبل أن يوقف الجيش عملياته

مبادرة أخيرة
أما خطاب الأسد الأخير الذي ألقاه اليوم أمام حشد من مؤيديه، فاعتبر فيه أن ما يحدث في بلاده ليس صراعا بين حكم ومعارضة، بل هو "صراع بين الوطن وأعدائه، بين الشعب والقتلة والمجرمين، بين حالة الأمان وحالة الرعب".

وقدم الأسد ما وصفه بمبادرة من عدة مراحل لوقف الصراع في بلاده، تبدأ بالتزام الدول المعنية بوقف تسليح وتمويل المسلحين بما يسهل إعادة النازحين، "بعد ذلك نوقف العمليات من جانب الجيش الذي يحتفظ بحق الرد مع التأكد من ضبط الحدود".

وأشار إلى أنه ستشكل حكومة جديدة مع إصدار عفو عام عن المعتقلين مع الاحتفاظ بالحقوق المدنية لأصحابها وتأهيل البنى التحتية وإعادة الإعمار.

وأكد الأسد أن أي مبادرة خارجية لحل الصراع في سوريا، يجب أن تكون متوافقة مع هذه الخطة ولا تخرج عنها، كما قال إن أية إشارة إلى المرحلة الانتقالية لا تعني بالنسبة له غير الانتقال من حالة عدم الاستقرار إلى الاستقرار.

وعند الإعلان عن الخطاب الأخير قيل إنه سيكون "خطاب الحل"، فهل يلي هذا الخطاب حل حقيقي أم يكون كسابقاته؟

المصدر : الجزيرة