العمليات الجوية لقوات النظام تلحق الدمار بكل معالم حلب  (رويترز)

أحمد موفق زيدان

حلب اليوم مقسّمة بين حلب الجيش الحر والجيش النظامي.. جدر الفصل.. لا تُفتح إلا للقليل هنا.. والقليل هنا يخشى من المجازفة. فالمجازفة هنا كمن يتعرض لجراحة الأعصاب وأي خطأ لن يودي بالبصر أو السمع، لكنه يودي بالشخص كاملا.

قصص الإعدامات اليومية -كما يروي الثوار- التي يقوم بها الأمن الجوي تجعل الحلبي يعد للألف قبل أن يعبر الحواجز.

حلب تختفي من الوجود.. مساجدها بلا قبب أو مآذن.. تختفي أمام العالم كله.. حين اتجهت إلى الأحياء الحلبية التي قصفها النظام من أمثال صلاح الدين وبستان الباشا وبستان القصر والصاخور وغيرها تذكرت تماما مشاهد زلزال باكستان المدمر عام 2005.

أكوام الخراب والدمار الناجمة عن القصف توحي وكأن صاحبها وضعها في خلاط كهربائي عملاق ليحولها إلى عجينة أو مادة سائلة. النظام هنا سيد في الجو.. الاغتيالات الجوية عبر القنابل الفراغية والحارقة، والبراميل المتفجرة، والصواريخ والمدفعية خبز الحلبيين اليومي.

بينما السيطرة على الأرض للجيش الحر وكتائبه. يلتفت إلي أحد الحلبيين في حي الشعار قائلا "النظام قرر أن يرسل براميل النفط المتفجرة إلى بيت كل سوري.. وقريبا سيرسل جرار الغاز المتفجرة إلى أبوابنا أيضا..".

يقول أحمد ‫(طالب في جامعة حلب‫) إن ثورتنا في جوهرها سلمية ومظاهرات.. والدليل تفضل يوم الجمعة لترى بنفسك المظاهرات المطالبة بالحرية... صبرنا على النظام أربعين عاما، لكن لم يصبر على مظاهرة واحدة ضده.

يزيد زميله في الدراسة قائلا:‫ نظام ممانع ومقاوم ولكن للشعب فقط.. لا علاقة له بإسرائيل.. فقد أخذ بنصيحة إبراهيم طوقان في التعاطي مع إسرائيل حين قال في يدينا بقية من بلاد فاستريحوا كي لا تضيع البقية، ولكنه عمل بعكسها مع شعبه فكانت النتيجة أن ربح البلد كله بالتخلص منه ومن سلالته.

ثورة ضد الخرافات
يخطئ من يظن أن الثورة السورية ضد الاستبداد والدكتاتورية فقط.. تلك هي "القشرة" لكن الجوهر هو أنها ثورة كما يراها ثوار حلب بأنها ضد الأساطير والخرافات والأضاليل التي أسست لسلالة آل الأسد من المقاومة والممانعة والمعاداة للإمبريالية ففضحت ذاك كله الثورة، وآخر تجليات الفضيحة أن ستين بالمائة من الاقتصاد السوري بأيدي رامي مخلوف حتى أن السوريين يتندرون بـ"الرمرمة" بدل الخصخصة.

يجلس أبو علي (70 عاما )على مصطبة بيته في حي الشعار لا يصدق ما تراه عيناه.. يتساءل: هل هذا هو النظام الذي صدّع رؤوسنا بالمقاومة والممانعة فألقى بحمم ما جمعه الشعب على مدى نصف قرن لمقاتلة إسرائيل فتبين أن اسرائيله هو شعبه؟.

يضيف أبو علي مع زفير وشهيق لا يغيب عن حديثه: بالأمس ضربوا طوابير الناس على المخبز فقتلوا وجرحوا العشرات.. اليوم إن قمت كصحافي بتغطية أي تجمع بشري سيتهمونك بأنك المسؤول عن قتلهم كونك كشفت سرا عسكريا عظيما.

"إنهم يريدون من خلال عملائهم نشر ذلك، فهم لا يريدون الشاهد على قتلنا وذبحنا.. يريدوننا أن نرحل من هذه الدنيا دون عويل أو بكاء حتى لا ننغص عليهم حياتهم"، يستطرد أبو علي.

الأسواق الحلبية المعروفة بالحركة والضجيج والصخب وأصوات الباعة الموسيقية التي تطرب الآذان لسماعها.. خنقتها العبرات هذه الأيام.. فلا داعي للمناداة كما يقول أحد الباعة ما دام المرتادون قلة خوفا على الحياة.. فكل الجهد اليوم بحلب وسوريا بشكل عام منصب على إبقاء الرأس فوق الكتفين.

المصدر : الجزيرة