سيارات عسكرية تابعة للمقاتلين الإسلاميين تقوم بدوريات أمنية في مدينة تمبكتو (الجزيرة نت)

أمين محمد-شمال مالي

خلافا لما يعتقده البعض، لا ينحصر الخطر الأمني في شمال مالي هذه الأيام على تأثيرات وتداعيات العمليات العسكرية التي تقودها القوات الفرنسية ضد المقاتلين الإسلاميين رغم مخاطرها الجمة، ولا في قصف الطائرات الفرنسية لبعض مناطق الشمال المالي وما قد يسقط جراءها من أبرياء، وما تثيره من هلع ورعب في أوساط السكان، ولكن الخطر المختفي في ثنايا الصراع العسكري هو خطر الانفلات الأمني القادم من زوايا المشهد الاجتماعي والسياسي المعقد في المنطقة الأزوادية.

حين تتجول اليوم في الشوارع الكبيرة لمدينة تمبكتو، وحتى في الحواري والأزقة الضيقة، سيلفت انتباهك عشرات الشباب في أعمار الزهور، وعشرات الرجال في فترات العطاء وأيام البناء، وهم يجلسون في الشوارع يحتسون الشاي ويراقبون حركة الشارع، ينتظرون القادم ويبحثون عن المجهول.

بلا مهنة
وحين تسأل أيا من هؤلاء عن مهنته وشغله ستجد الرد موحدا: لا شيء، لا عمل ولا شغل، نحن هنا منذ اندلاع الحرب الأولى قبل نحو عام ننتظر انفراجة المشهد، ونحسب الأيام والليالي ترقبا لعودة الدولة، وتحسبا لانعطافة تعيد الحياة إلى سابق ألقها ورغدها.

محلات صغيرة ورجال عاطلون (الجزيرة نت)

هؤلاء الشباب والرجال منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ومنهم الذين يتربصون بالمدينة وسكانها في انتظار فرصة تند، أو لحظة تعن، للانقضاض على ما تبقى من بقايا أمن واستقرار في مدينة تعيش مخاضا صعبا وعسيرا.

وللتوضيح أكثر فباستثناء عشرات الشباب الذين يعملون في محلات تجارية متناثرة هنا أو هناك، متواضعة المحتوى ضعيفة الإقبال، لا يجد بقية أبناء المدينة ما يعملون فيه، وكثير منهم لا يجد ما يسد به رمق الحياة، فكل إدارات الدولة متعطلة، وكل مؤسسات التشغيل العامة والخاصة من بنوك وفنادق ومطاعم وإدارات وشركات متوقفة.

أطفال المدينة تحولوا إلى متسولين يجوبون الشوارع يستنجدون المارة والقادمين إلى المدينة، ويستعطفون بكل ألفاظ وإشارات الاسترحام والضعف وقلة الحيلة.

ويجمع كثير من العارفين بأوضاع المنطقة وسكانها، أن تلك الأوضاع الاجتماعية الصعبة تمثل قنبلة اجتماعية قد تنفجر قريبا بصيغ وأشكال قد لا يمكن التحكم في تداعياتها ومآلاتها.

فراغ
ورغم سحب حركة أنصار الدين عناصرها وعتادها وإغلاقها لمقراتها في مدينة تمبكتو، فإن دخول بعض دورياتها من حين لآخر إلى المدينة ما زال يمنع انهيار الأوضاع الأمنية إلى مستويات لا يمكن التحكم بها.

وكانت حوادث النهب والسرقات العديدة التي شهدتها المدينة في الليلة الأولى لانسحاب الحركة منها مؤشرا دالا وخطيرا في هذا السياق، حيث طالت عمليات النهب حتى أحد المقرات التابعة للحركة والتي ظلت مهابة ومصونة في الفترة الماضية.

يقول سكان المدينة إن تلك العمليات جاءت بسبب المعلومات التي انتشرت في المدينة على نطاق واسع عن انسحاب المقاتلين الإسلاميين بشكل نهائي، وإن عناصر الحركة حين عادوا في الصباح ووجدوا عمليات النهب ما زالت متواصلة في أحد مخازن الوقود التابعة لهم، أطلقوا النار على أحد اللصوص فأردوه قتيلا، وهو أمر لم يتم تأكيده من قبل الحركة.

وكانت حركة أنصار الدين قد سحبت عناصرها وعتادها من المدينة، ولكنها ما زالت توفد من حين لآخر بعض دورياتها العسكرية للتجول في المدينة، وإعادة ضبط الحركة الأمنية فيها.

وقال قيادي بارز في الحركة للجزيرة نت إنها تشعر بقلق بالغ حيال الوضع الأمني في حال انسحابها وغيابها بشكل تام عن المدينة، مشيرا إلى المخاطر التي تتهدد بعض مكونات المجتمع الأزوادي في حال غياب سلطة عادلة تحمي الجميع وتمنع الفتنة العرقية، وتردع ما يصفها بالعصابات العنصرية التي تتحين الفرص للقيام بانتهاكات وربما تصفيات ضد هذه الفئة أو تلك.

لعبيد ولد الحسن: المشكلة الأصعب لتمبكتو
موجة المد العنصري التي تهددها
(الجزيرة نت)

مخاوف الانتقام
يقول لعبيد ولد الحسن -وهو أحد عناصر المجتمع العربي التمبكتي- للجزيرة نت إنه يعتقد بأن أكبر مشكلة تواجهها مدينة تمبكتو ليست القصف الفرنسي على خطورته، وليست الأزمة الاقتصادية والاجتماعية على ما فيها من آلام ومتاعب، ولكن المشكلة الأصعب هي موجة المد العنصري التي تهدد النسيج الاجتماعي وتجعل البعض يخشى موجة انتقامات وإعدامات قد تعيشها المدينة في الأيام القادمة.

ويضيف أن الثقة تنعدم تماما حاليا بين فئات المجتمع الأزوادي، مشيرا إلى كون غالبية الجماعات الإسلامية المسلحة من العرب، جعل فئات واسعة من الزنوج تحمّل البيض (عربا وطوارق) مسؤولية ما آلت إليه أوضاع المنطقة، وجعلت الأخيرين يخشون تصفيات دموية عند أي فراغ أمني.

هي إذن فتنة ذات طابع عرقي تطل برأسها مع اقتراب المنطقة من فراغ أمني يخشاه الجميع، فالحكام الجدد يلملمون أوراقهم ويغادرون بسرعة، والقادمون الجدد لم يسرعوا في الوصول بعد، وبين المغادرين والقادمين يبقى الفراغ والانفلات سيديْ اللحظة.

المصدر : الجزيرة