أسواق حلب ومعالمها القديمة تعرضت لتدمير كبير جراء القصف (الفرنسية)

أحمد موفق زيدان-حلب

إعزاز هي أول مدينة سورية تواجه القادم من الجانب التركي. يُطلق عليها أهلها "مقبرة الدبابات"، حيث أكثر من 11 دبابة مدمرة في شارعها الرئيسي، بينما مسجدها الضخم تحول إلى خراب.

يستعجلك عناصر الجيش الحر بالرد على ما قد يجول بنفسك إزاء خراب المسجد، فيقولون إن النظام حول المسجد إلى ثكنة عسكرية يستخدمها القناصة لقنص المدنيين والعسكريين.

الكل هنا يسعى إلى شرح ما حصل من معارك. والكل هنا يود أن يروي أمجاده. تحول المكان إلى متحف مفتوح لا جدران له, دبابات محطمة ومقر الأمن العسكري الذي لم يكن لأحد أن يقترب منه, بالإضافة إلى بقايا فوارغ رصاص وقذائف وصور لرموز سلالة الأسد.

يستذكر قائد لواء التوحيد عبد القادر الصالح كيف تم القضاء على مبنى الأمن العسكري بواسطة القنابل اليدوية محلية الصنع. عبارات النصر والفصل والقطع مع نظام الأسد أكثر ما تزين جدران المدينة، بينما طلى بعض الثوار أرصفة شوارع بلدات أخرى بعلم الثورة الجديد.

كلما تعمقت في الريف الحلبي صوب مدينة حلب, ترتفع حرارة الثورة المسلحة لقربها من المعركة. حلب مدينة لا تُرى من مداخلها هكذا يقولون, لكن تبرز أمامك عراقة حلب الشهباء أو حلب نور الدين زنكي كما يحلو للثوار تسميتها اليوم. حلب لم تعد مدينة المحاشي والكبب.

وجه مختلف
فهي حلب البطولات والدم والشهادة بتعبير الثوار‫, وبتعبير البسطاء في حي الشيخ فارس غدت حلب الزبالة والقمامة والخراب والدمار. هكذا حولها النظام الذي ينتقم من الحلبيين الثائرين كما يقول أبو عبدو الجالس أمام بيته في حي الشيخ فارس.

جولتنا الصباحية على الأحياء الحلبية العتيقة أستذكر معها مرافقتي لوالدي رحمه الله إلى باب النصر وباب جنين وباب الفرج وأزقتها الضيقة، حيث الرصف المملوكي والعثماني للشوارع لا يزال يروي عراقة أحياء تتحدى العولمة عسكريا أو اقتصاديا.

إعزاز من أولى البلدات التي سيطر
عليها الجيش الحر في ريف حلب (الفرنسية)

هيئات السيدات هنا لم تتغير، فالملاءة السوداء التي تلتحف بها السيدة الحلبية مع غطاء يغطي الذقن وتبرز بعدها العينان وشيء من الخدود, كلها تعكس مدى الإصرار الحلبي على التمسك بالماضي.

أصوات القباقب التي تطرق أحجار الأزقة المملوكية والعثمانية الضيقة غابت اليوم لتحل محلها أصوات القذائف والمدافع. ومن أين؟ من قلعتها الشهيرة التي تحولت إلى ثكنة عسكرية تلقي بحممها على هوية حلب, بل على هوية متحف وتاريخ سوريا كلها.

حلب التي كانت المركز التجاري الأهم في سوريا, حيث يتردد أن أكثر من نصف صناعة وتجارة سوريا فيها, غدت اليوم مركزا للموت والخراب والدمار السوري, فائض دمار وخراب لا تحسدها عليه مدن وقرى دمرها هولاكو والمغول.

اختفت رائحة البهارات الحلبية, واختفى معها نداء الباعة الجميل الذي كنا نستمتع به ونحن نرى من يحمل حاجياته على كتفيه محذرا من أمامه بالقول "أوعى الزيت‫.. أوعى اللبن", حتى لا يصيبه شيء منها فيبتعد المارة. رائحة الموت والخوف والقلق على الحاضر وليس على المستقبل فقط هي العملة المصروفة هنا.

عودة للوراء
ومن قال إن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء؟ لقد عادت في أسواق حلب الأثرية حيث المئات من الحوانيت التي تحكي أجمل قصة إنسانية منذ عهد الأراميين، لقد سُويت بالأرض بفعل الحرائق والقصف العنيف الذي ألقاه عليها النظام.

أسواق حلب الأثرية آية في الجمال والإبداع, ولذا صنفتها اليونسكو من التراث العالمي. لكن ما قيمة أن تصنف شيئا دون أن تحميه؟‫

في الأسواق الممتدة من المسجد الأموي الصغير حيث يرقد النبي زكريا عليه السلام إلى القلعة الشهيرة, تدلف في شارع لا يتعدى عرضه المترين وعلى الجانبين حوانيت صغيرة مع أبواب ضخمة، وبعد كل مائة محل تقريبا يواجهك باب يسد الزقاق فتظن أنه نهاية السوق لكن سرعان ما تدرك أنه بداية لسوق أطول, وهكذا حتى نهاية القلعة الشهيرة.

المصدر : الجزيرة