سيارة عسكرية تابعة للمسلحين تعرضت لقصف الطيران الفرنسي عند البوابة الجنوبية لمدينة تمبكتو (الجزيرة نت)

أمين محمد-تمبكتو

يبدو المشهد العام معقدا ومركبا هذه الأيام في تمبكتو، فالحرب تطل بوجهها الكئيب، ومظاهر البؤس والفقر والحرمان ماثلة للعيان، وغياب الدولة واختفاء مظاهر السلطة أبرز ما يميز المشهد، وإفرازات ما بعد حركة أنصار الدين وحكمها المثير للجدل حاضرة هي الأخرى في تفاصيل المشهد.

في أطراف المدينة وتحديدا عند البوابة الجنوبية لمدينة تمبكتو تبدو آثار القصف الفرنسي العنيف الذي استهدف سيارات عسكرية تابعة لحركة أنصار الدين قبل ثلاثة أيام، وكأنها رسالة للقادمين: "كونوا على حذر فالمدينة في دائرة الاستهداف".

تطايرت أشلاء السيارة التي استهدفها القصف وتحولت أجزاء كثيرة منها إلى رماد، وبدا من خلال الشظايا المتناثرة هنا وهناك أنها كانت تحمل أسلحة وبراميل وقودا، فضلا عن بقايا أدوية وأغراض خاصة تناثرت هنا وهناك.

لم تعرف حصيلة تلك العملية، ولكن عبد الله بابي الذي يسكن بالقرب من مكان العملية قال للجزيرة نت إن العملية وقعت في التاسعة ليلا واستهدفت رتلا من السيارات تمكن بعضها من الهروب، ولكن طائرة حربية فرنسية حلقت على ارتفاع منخفض من تلك السيارة وقصفتها دون البقية، وهو ما أدى -بحسبه- إلى وفاة كل الذين كانوا فيها باستثناء اثنين تم نقلهما إلى جهة مجهولة في حالة صحية صعبة.

وأضاف أن عناصر من أنصار الدين عادت في الخامسة فجرا لتنقل جثث الذين قضوا في العملية، دون أن يعلم على وجه التحديد عددهم أو شيء عن هوياتهم.

أما في الطرف الشرقي من المدينة فقد اشتعلت النيران الليلة البارحة في مخزن كبير للسيارات بمختلف أحجامها وأشكالها، وأدت تلك العملية التي لم تعرف تفاصيلها حتى الآن لإحراق وإتلاف أكثر من عشر سيارات أغلبها رباعية الدفع، ولا تزال النيران حتى الآن تشتعل في بعضها رغم مضي ساعات على العملية.

وبينما قال بعض السكان إن تلك العملية ناتجة عن قصف فرنسي، إلا أن الشواهد لا تدل على وجود آثار قصف جوي، وهو ما يعطي مصداقية لرواية بعض سكان المدينة الذين يتهمون مقاتلي حركة أنصار الدين بالمسؤولية عن العملية، وإن صحت تلك الاتهامات فالأمر يعني أن القوم أخذوا قرارا نهائيا بحرق المراكب ومغادرة المدينة بعيدا نحو المعاقل الرئيسية في شمال الشمال.

مخزن للسيارات والشاحنات تعرض للتدمير (الجزيرة نت)

فوائد

ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد، فقد كانت تلك العملية بغض النظر عن الجهة المسؤولة عنها في مصلحة عشرات الشباب الذين شاهدناهم وهم ينقضون نهبا وسلبا على ما تبقى سليما من قطع غيار تلك السيارات المحترقة.

وبين مشهدي القصف والحرائق في الجنوب والشرق تعيش المدينة شقاءها وتناقضاتها الداخلية، فالبيض (عربا وطوارق) يحزمون أمتعة الرحيل، والسود يترقبون احتفالات النصر والتحرير.

بشائر فئات كثيرة من الزنوج بمغادرة أنصار الدين وربما بقرب دخول الماليين والفرنسيين لا تخفى معالمها هذه الأيام في تمبكتو رغم الحذر الشديد بسبب عدم وضوح مآلات المشهد بشكل تام لدى كل الأطراف.

وحين كنا في فريق الجزيرة (وهو الفريق الإعلامي الوحيد بالمدينة حاليا) نتجول بالمدينة بعد المغرب بعيد مغادرة سيارات أنصار الدين لها، كانت إحدى الفتيات الزنجيات تلوح لنا بيدها قائلة "نحن أحرار، نحن أحرار"، احتفاء بمغادرة أنصار الدين.

ليس ذلك فقط، فبعض المشاهد التي رأيناها اليوم كانت توحي بتحول بدأ يشاهد وإن على استحياء في السلوك العام خلافا لما كان عليه الأمر خلال الشهور الماضية. ولفت انتباهنا تحديدا مرور أحد الشباب الزنوج رادفا معه إحدى الفتيات على دراجته النارية من أمام مقر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان الأمر في السابق من المنكرات التي يعاقب عليها بالتوقيف، وقد تؤدي بصاحبها إلى الجلد أو التغريم.

وفي غمرة تلك المشاهد، تبقى مظاهر البوؤس شاخصة أمام عيون الزائرين، فالأطفال منهمكون في التفتيش في مطارح النفايات ومكاب القمامات بحثا عن أي شيء يسد الرمق، أما الكبار فيشكون من غياب التشغيل ونفاد الأقوات ومشاكل التموين وضيق ذات اليد.

المصدر : الجزيرة