أحد الثوار يصوب بندقيته في اتجاه ساحة سعد الله الجابري حيث يتمركز جنود النظام في مبان حكومية (الجزيرة)

محمد بنكاسم-حلب

يعد باب النصر من خطوط المواجهة بين عناصر الثوار والجيش السوري النظامي داخل مدينة حلب القديمة، وتقع فيه اشتباكات يومية بالأسلحة الخفيفة والقنابل، ويسعى الجيش الحر للتقدم بشكل تدريجي مع تطهير خطوطه الخلفية من المتسللين من الشبيحة الذين يتجسسون من أجل إخبار القوات النظامية بأماكن وجود الثوار.

وطيلة ثلاث ساعات في البلدة القديمة لم تنفك أصوات متقطعة لطلقات البنادق والرشاشات، ومع أن أغلب أحياء البلدة القديمة تحت سيطرة الثوار فإن الأمر يتطلب في بعض الأحيان الجري لعبور أماكن مكشوفة لقناصة تابعين للقوات النظامية.

وخلال جولة عبر الأزقة الضيقة للبلدة القديمة كان ملفتا كثرة أسماء الكتائب المكتوبة على الجدران، ويقول أحد النشطاء الإعلاميين إن كثرة الكتائب نتجت عن خروج مقاتلين عن كتائبهم بسبب الخلافات، قبل أن يشكلوا كتيبة جديدة.

وتواصلت الجولة عبر ممرات ضيقة وملتوية داخل المنازل المهدمة جزئيا، حيث فتح الثوار في جدرانها فجوات للانتقال من منزل إلى آخر عبر ممرات آمنة تقربهم من أماكن وجود قوات النظام دون المرور بأماكن مفتوحة يسهل فيها استهدافهم.

آثار دمار في منزل بالبلدة القديمة
تقابله مبان تحت سيطرة النظام (الجزيرة نت)

شعور غريب
شعور غريب ينتابك وأنت تقتحم بيوتا تركها أهلها كما هي ونجوا من موت محتمل تحت الأنقاض.. كل شيء ما زال في مكانه، وإن كان الكثير منها لا تخلو من آثار القصف.

بعد مسيرة طويلة وصلت الجزيرة نت إلى غرفة فتحت فيها هوة تسمح بوضع بندقية قناص وتطل على ساحة سعد الله الجابري التي شهدت تفجيرا قبل شهرين نفذته جبهة النصرة، وتوجد حول الساحة مبان عالية اتخذها قناصة قوات النظام مواقع فيها لاستهداف المدنيين والمارة.

يصوب القناص التابع للثوار بندقية صوب قناصة النظام وجنوده، ثم يطلق عدة طلقات قبل أن ينسحب الجميع بسرعة لأن الرد على مصدر إطلاق النار لن يتأخر كثيرا.

ويقول أبو الربيع -وهو عضو في مجموعة ثوار مرابطين في منزل لا يفصله عن تمركز قوات النظام سوى شارع -إن مجموعة من قناصة النظام يأتون بين الفينة والأخرى إلى نقاط محددة في مبان مرتفعة مطلة على البلدة القديمة ثم يغادرون للحيلولة دون تقدم الثوار، ويضيف أن الثوار قريبون من قوات النظام لدرجة أنهم يسمعون أصواتهم.

ثوار يتجهون نحو إحدى جبهات باب النصر
في حلب القديمة (الجزيرة نت)

مرابطون
وعلى رأس كل ست ساعات يتم استبدال مجموعة الثوار المرابطة في هذه النقطة بمجموعة أخرى، وتتجلى مهمة هذه المجموعة في قنص جنود النظام وإلقاء القنابل على أماكن تواجدهم، ويشير أبو الربيع إلى أن الثوار سيطروا على هذه النقطة قبل أسبوع.

مكوث هذه المجموعة التابعة لكتيبة الصفوة الإسلامية المنضوية تحت لواء التوحيد في الموقع الذي سيطر عليه لن يطول لاعتبارات أمنية، كما أن المجموعة ستحاول اقتحام مبان جديدة.

بعد زيارة خط التماس بين الثوار والجيش النظامي بدأت العودة إلى مناطق أخرى في البلدة القديمة، عبر حواجز أقامها الثوار لمراقبة حركة الدخول والخروج لمنع تسلل الشبيحة، وتنبيه السكان المحليين إلى خطورة المنطقة التي تلي الحاجز بحكم سيطرة النظام عليها واحتمال استهدافهم من قبل القناصة.

وأمام حمام تركي في البلدة القديمة التقت الجزيرة نت المقدم المنشق محمد أبو رياض الذي أصبح قياديا في لواء التوحيد، ويشرح كيف أن ما يمنع الثوار من التقدم إلى خارج النقاط المسيطر عليها داخل حلب القديمة هو كثرة القناصة المتمركزين في مبان مثل القصر البلدي، فضلا عن وجود حواجز للجيش النظامي معززة بالدبابات.

أبو رياض: كثرة قناصة النظام
تحول دون تقدم الثوار (الجزيرة نت)

تريث وتسلل
ويضيف أبو رياض "حاولنا عدة مرات اقتحام حواجز النظام وسيطرنا على عدة مبان منها مبنى التمويل، غير أن التقدم محفوف بخسارة الكثير من الشهداء، ولهذا نتريث وندرس الخطط بعناية قبل الاقتحام، ونحن نخوض معارك قناصة داخل حلب ولاسيما داخل البلدة القديمة، فلا عناصر الجيش الحر تستطيع التقدم ولا عناصر الجيش النظامي بمقدورهم الاقتحام".

إزاء هذا الوضع العسكري يركز الثوار على عمليات التسلل لاستهداف أماكن القناصة، وقد نجحوا في السيطرة على بعضها في حين لا يزال العديد منها عصيًّا.

ويشير القائد أبو رياض إلى أن المسافة التي تفصل بين حواجز الجيش الحر وتلك الخاصة بالجيش النظامي لا تتعدى أحيانا الخمسين مترا.

ولم تكن سيطرة الثوار على معظم أحياء البلدة القديمة بالأمر السهل، حيث خاضوا معارك شرسة مع الشبيحة في الحارات، وقتل الكثير منهم وتم تهجير العديد منهم خارج البلدة القديمة، فقد كانوا بمثابة أدلاء للأمن والجيش على مواقع الثوار، كما كانوا يقمعون المظاهرات المناوئة للنظام ويتحكمون في توزيع الوقود والخبز والغاز ويعطونها فقط لمؤيدي النظام حسب ما يوضحه أبو رياض.

وفي نقطة تمركز أخرى للثوار في باب النصر التقت الجزيرة نت أبو مريم، وهو قائد ميداني في كتيبة الصفوة الإسلامية، الذي أوضح أن الثوار يحرصون على إبقاء السيطرة على مراكزهم قبل الانتقال إلى استهداف المباني الحكومية التي تعد معاقل أساسية لجيش النظام، يحشد فيها قواته للحيلولة دون تقدم الثوار إليها.

وحول المهام التي تقوم بها الكتيبة التي يقودها، يشير أبو مريم إلى أنها تتجلى من جهة في رسم الخطط الرامية إلى السيطرة على معاقل النظام، وكذا إقامة الحواجز وتشديد الحراسة لمنع تسلل عناصر الشبيحة والأمن والجيش، ومن جهة أخرى السعي لتأمين الاحتياجات العامة للمدنيين قدر المستطاع.

المصدر : الجزيرة