معبر باب السلامة التركي إلى سوريا (الجزيرة)

 أحمد موفق زيدان

في أحد أيام أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وبينما كنت أعبر معبر السلامة التركي صوب بلدي سوريا التي غُيبت عنه قسرا ثلاثة عقود، كانت الجلبة داخلي توازي الجلبة التي أمام ناظري، حيث السوريون عائدون وغادون إلا أن معظمهم مغادرون من جحيم لم يعد محلا للسكنى، كما يقول لك كل من يخرج وفي عينيه دموع تطفر وفي حلقه غصات.

صور آل الأسد اختفت من واجهات مباني نقطة الحدود لتحل محلها لافتات سوريا الحرة، وعلم الثورة بألوانه الزاهية أزاح علما طالما ارتبط بحكم حزب البعث، بينما صور الأسد الأب (حافظ الأسد) والابن (بشار الأسد) تناثرت على أرض المبنى يدوسها الجميع، مشهد ينبئ بأن معركة قوية وقعت هنا.

تابوهات تدنيس عائلة الأسد بالأمس غدت تابوهات تقديسها، فطوال العقود الماضية من حكم سلالة آل الأسد توقفت الحياة كلها بمفاهيمها السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية.. إلخ، وتصلبت معها شرايين سوريا.

أقف في طابور المصطفين، البسمة تعلو محيّا موظف الجوازات ويغيب عنه ما كنت أسمعه من أصدقائي وأقاربي عن طلبات الرشوة على المكشوف. يختم جوازي مشفعا ذلك بابتسامة وعبارة "أهلا بك في سوريا الحرة الجديدة".

كنت أغالب دموعي وأغالب التعبير عن فرحتي وأنا أرد عليه قائلا: هل تعرف أن هذا الختم هو أغلى ما أملكه على هذا الجواز؟ إنه ختم غاب عن جوازي ثلاثين عاما. فابتسم وقال: أمثالك كثيرون يمرون يوميا.

زيدان: الخوف كل الخوف هنا من البراميل المتفجرة لكن الكثيرين بدؤوا يعتادون عليها
 (الجزيرة-أرشيف)

بذور التدمير
يوم فررت من نظام الأب في 24 مايو/أيار 1981 كان النظام -كما يقول المعارضون- قد بذر بذور تدمير المدن فبدأها بتدمير مدينة حماة، الذ ترافق مع سياسة ممنهجة بالقتل خارج القانون وتفريغ سوريا من كوادرها، وامتهان الكرامة، و"ترييف" المدن السورية، ونشر أحزمة البؤس حول المدن الكبرى، و"تطييف" كل ما يمت إلى الدولة ومؤسساتها بصلة.

فقد ابتلع -كما يقول المعارضون- النظام الطائفي -وليس الطائفة- كل مؤسسات الدولة عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا، ولعل الوقت سيأتي ليُكتب عما ألحقه النظام بحق سوريا.

تلك البذور رعاها الأب لاحقا ويسقيها الابن من بعده لتتحول إلى أشجار موت حقيقية تقذف بثمارها المتمثلة في البراميل المتفجرة والقنابل الفراغية بعد أربعين عاما‫.

أحمل جوازي وأبتعد عن موظف الجوازات لألتقي وجوها غابت عن ألسنتها قراءة سورة "يس". أسأل أحدهم عن الفرق بين الأمس واليوم من حيث تعاطي موظفي الهجرة والجوازات، فيردد ما قاله أحد سكان إدلب‫: "أنا إنسان ماني حيوان"، مضيفا‫: يعاملوننا كبشر وليس كحيوانات كما كانوا يعاملوننا من قبل.

نمتطي سيارتنا وتختفي وراءنا نقطة الحدود..، لكن تظل مروج الزيتون والفستق الحلبي رفيق الدرب الذي لا يخذلنا...، يلتفت مرافقي مشيرا إلي على يميني قائلا إنها مدينة مرج دابق، حيث وقعت أول مواجهة بين المماليك والعثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول أو ما يسمى بسليم "ياوز" أي الشرس عام 1516، انتصر فيها الجيش العثماني، وكانت مرج دابق التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديثه بوابة الفتح العثماني إلى العالم العربي، ويتيمن اليوم بفتحها على أنها ستكون بوابة فتح سوريا كلها وتحريرها من نظام الأسد.

الحاضر الأكبر في السماء هو الطائرات، وصناديق الموت التي تحملها لتدك بها الحجر والشجر، الخوف كل الخوف هنا من البراميل المتفجرة، وإن كان الكثيرون بدؤوا يعتادون عليها.

المصدر : الجزيرة