محمد المسالمة نموذج لمئات النشطاء السوريين الذين حولتهم الثورة إلى إعلاميين  (الجزيرة)

ياسر أبو هلالة-عمان

كان من الممكن أن يكون محمد المسالمة (الحوراني) واحدا من الأرقام اليومية للموت والتشريد والسجن في سوريا. رقم لا يُذكر بين أموات لا يجدون قبورا، ولاجئين لا يجدون خياما.

لكن بقوة الإعلام عرف العالم ملامح واحد من الضحايا الذين حول نظام بشار الأسد حياتهم إلى جحيم.

وتكشف ملامح الضحية عن شاب يمثل الجيل الجديد في سوريا في أرقى صوره. فقد أتيح لي أن أتعرف على محمد قبل عام، عن طريق مؤسس "شبكة شام" أبو الحسن أبا زيد، عندما كنت أعد فيلم الطريق إلى دمشق، إذ كان مراسلا للشبكة في درعا.

ومنذ اللحظة الأولى بدت شجاعته عندما تحدث بدون إخفاء ملامحه، ليقدم شهادته عن المظاهرة الأولى والخلية الأولى بدرعا. وكان واحدا من أسباب اندفاعه، استشهاد المسؤول عن الخلية علي المسالمة.

أراد أن يرفع الظلم الإعلامي الذي يلخص الثورة في المؤامرة. وهو كان من أوائل المنظمين الذين استشهد معظمهم، الوحيد الذي كان على معرفة من خارج الخلية بالشيخ أحمد الصياصنة.

تبين لي أن الكاميرا التي يصور بها هي التي كان يستخدمها الشهيد أحمد المسالمة الذي قتل في أول اجتياح لدرعا. ولا كاميرا بنظره تعدل تلك الكاميرا.

كان أحمد يشبه شخصية محمد، فقد كان يعمل في المنطقة الحرة بين درعا والرمثا، وأتاح له عمله فرصة إرسال المواد المصورة بسهولة وبنوعية عالية دون الحاجة لاستخدام النت، وبعد أن كان يصور بجواله، طلب مني كاميرا فأرسلتها له، وبعد استشهاده تسملها محمد.

ويشترك هذان الثائران في مصيبة أخرى، إذ قتلت أخت الأول الطفلة (12 عاما) في اقتحام الجامع العمري، وقتلت أخت محمد هذا العام.

لم يكن محمد مضطرا إلى ما أقدم عليه بل مختارا. فهو ابن 33 عاما، ولديه مصلحة تجارية ناجحة ومتزوج.

لم يكمل تعليمه لكنه احترف عمل الألمنيوم والزجاج، وكان من أنجح العاملين في مجاله بدرعا. لكن حجم الظلم المسلط على الشباب السوري لم يكن مطاقا، وقد فتح الربيع العربي نافذة للأمل في التغيير مهما رافق ذلك من تضحيات.

في شخصية محمد ثائر حقيقي، فعندما فتح النظام السوري باب التطوع للذهاب إلى العراق وسمح بعبور المجاهدين إليه، كان محمد واحدا منهم. عاد محمد من العراق بعد أن قاتل الأميركيين في معركة غير متكافئة وشاهد الهزيمة بعينه.

عندما تعاون مع الجزيرة لم يكن لديه أي مطلب شخصي ولا مالي. وكان مثالا للتجرد والنزاهة

محطة الجزيرة
وبدلا من أن يستقبله النظام المعادي لأميركا استقبال الأبطال -وهو الذي سمح له بالخروج من الحدود الرسمية التي ظلت مغلقة عقودا- استقبل في أسوأ فروع الأمن وهو المخابرات الجوية، والذي ظل يستدعيه باستمرار عارضا عليه التعاون رغبا ورهبا.

وكان يشعر بالمفارقة كيف يُتهم بالتآمر مع الأميركيين وهو قاتلهم دفاعا عن العراق؟ وهو يعلم يقينا من أول لحظة في الثورة أنها تفتقر إلى كل دعم خارجي.

عندما تعاون مع الجزيرة لم يكن لديه أي مطلب شخصي ولا مالي. وكان مثالا للتجرد والنزاهة.

كان لديه جهاز بث فضائي على النت (بيغان) ويحتاج شحنا. فقلت له "الجزيرة تشحنه"، فأجابني "المتبرع لم يتبرع به للجزيرة وإنما للثورة، ولا بد من استئذانه".

كانت كل طلباته عامة، لم يطلب طلبا خاصا طيلة فترة العمل. ظل يرفض أخذ أي مكافأة مالية، وآخر مكافأة صرفت له تبرع بها للجرحى السوريين.

غطى محمد أحداث الثورة بحرفية وشجاعة، وتمكن في فترة قصيرة من عبور المسافة الفاصلة بين الثائر صاحب القضية والصحفي المهني. بدا ناشطا على الإنترنت، وترك مصلحته وعمله في تصنيع الألمنيوم والزجاج ليصور ويوثق ويبث، بدأ مع شبكة شام وانتهى في الجزيرة، وظل منفتحا على كل وسائل الإعلام لنقل الثورة السورية وتضحيات الشعب السوري.

يجيب استشهاده على سؤال تغطية الثورة السورية، فهو لم يلفق صورا ولم يبالغ في وصف، بل كان يصور بدقة وينقل بأمانة، ولكن أين الموضوعية حين يكون الصحفي نفسه موضوعا؟

لقد عمل محمد مسعفا مضطرا وعمل صحفيا مضطرا، وكان يكرر أنه سيترك الكاميرا بعد انتصار الثورة، وهي الكاميرا التي وثقت رحيل محبين ودمار الديار.

 الربيع العربي فتح نافذة الأمل لحوراني كغيره من الشباب السوريين للتغيير (الجزيرة)

سلاح الكاميرا
كان يشعر بأنها ستساهم في تخفيف معاناة شعبه، كان لديه خيار أن يترك الكاميرا ويغادر آمنا عند أهله أو ينشط مع السياسيين في الخارج، لكنه اختار الصعب، وكان يدعو دائما أن يكون عمله لله وأن يتقبله منه.

منذ بداية الثورة السورية طرحت إشكاليات حقيقية على الإعلام. فبعيدا عن الاتهامات السخيفة حول الفبركة واختراع الأخبار، كان على الإعلام أن يجيب سريعا كيف يمكن أن يُغطى خبر في ظل نظام يقتل من يحمل كاميرا؟ هل يترك الخبر بدون تغطية لأن النظام بهذه الوحشية؟ هل كان القدر أن تمضي جرائم النظام السوري كما في الثمانينيات بدون أي صورة توثقها؟

الجزيرة كانت سباقة في الإجابة مستفيدة من ثورة التقنية، فتعاملت مع الفيديوهات التي يبثها النشطاء منسوبة إليهم.

وكانت عدسات الكاميرات تفضح الجرائم سواء كانت كاميرا الضحية أم كاميرا الجلاد، فكما استفادت الضحية للتعبير عن ألمها من التقنية توثيقا وبثا، استفاد منها الجلاد في التعبير عن ساديته وتوثيق جرائمه.

في حال محمد المسالمة -الذي اختار اسم الحوراني تمويها في البداية على السلطات، كما غير ملامحه من خلال "باركة" شعر أسود تخفي شقارته- لم يكن التعامل مع ناشط يشكك في صدقية صوره. كان مهنيا بشكل يتفوق على من احترفوا وتمرسوا.

أخذ دورة في مكتب الجزيرة بعمان لمدة أسبوعين، ومن خلال الثورة كان قد اكتسب مهارات لا تستطيع الجامعات تدريسها في التعامل مع التصوير والمونتاج والبث على النت بإمكانات بسيطة. وما هو أهم من النواحي الفنية: الصدقية.

رحل محمد وقد سبقه مئات من النشطاء السوريين الذين حولتهم الثورة إلى إعلاميين، وفي نفس الأسبوع الذي قضى فيه سبقه سبعة، وفي الجزيرة سبقه طارق أيوب ورشيد والي

قافلة الشهداء
كان محمد موجودا في قلب المعركة. في البداية كان يقع في أخطاء تتعلق بالمسافة الفاصلة بين الثائر والصحفي، غطى القصف على مخيم درعا، وكان يحمل الكاميرا -وهو المقصوف- يشاهد الضحايا، ويستنكر ويستغيث، قيل له دع غيرك يقوم بهذا واكتف أنت بالتصوير.

كان مبدعا في التنكر والتخفي، استخدم بيت مفتي درعا الذي كان يظهر ولاء للنظام لخدمة الثورة، وكان المفتي يفيده في التدقيق اللغوي، بقدر ما يفيده موقع بيته المتوسط الذي لا شبهات أمنية عليه في التقاط الصور والبث.

أخذ كل الاحتياطات لكنه لم يكن يخاف سطوة النظام، مع أنه يعرف وحشيته من خلال تجربته الشخصية في الاعتقال في المخابرات الجوية، أو من خلال ما وثقه من جرائم خلال عامين من الثورة.

رحل محمد وقد سبقه مئات من النشطاء السوريين الذين حولتهم الثورة إلى إعلاميين، وفي نفس الأسبوع الذي قضى فيه سبقه سبعة، وفي الجزيرة سبقه طارق أيوب ورشيد والي وعلي حسن الجابر.

لكنه لم يكن رقم مجهولا بل نجما بملامح مضيئة تجسد قيم الشجاعة والنزاهة والصدق.

دفع كلفة غال قبل أن يرحل، فقد تشرد أهله واستشهدت شقيقته، وعاند كثيرا من الضغوط العائلية التي تطالبه بأن يعيش مع زوجته بعد أن قدم الكثير، لكنه اختار أن يبقى في سوريا، وكان يقول: إذا غادرت أنا.. فمن يبقى؟

المصدر : الجزيرة