مجلس الشيوخ أقر اتفاق البيت الأبيض والجمهوريين بأغلبية ساحقة (الأوروبية-أرشيف)

أحمد السباعي-الجزيرة نت

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن "الهاوية المالية" الأميركية التي كانت ستعيد اقتصاد العم السام إلى الانكماش ولكن في سيناريو هوليودي تمكن البيت الأبيض وخصومه الجمهوريون في اللحظات الأخيرة من انتشال أول اقتصاد بالعالم من الهاوية وإعادته للسكة الصحيحة بعد مفاوضات شاقة بين جوزيف بايدن نائب الرئيس وزعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونل.

هذا السيناريو ليس دخيلا على المشهد السياسي في واشنطن ويتكرر كلما كانت هناك سيطرة لحزبين مختلفين على سدة الرئاسة والبرلمان، ومن المتوقع أن تكون هناك مواجهة أخرى خلال أسابيع بشأن رفع السقف القانوني للدين الذي تم بلوغه رسميا أمس.

وقرار إرجاء القرارات بشأن النفقات لشهرين يمكن أن يؤدي إلى جمع هذين الملفين والوصول إلى "هاوية مالية" جديدة أكثر خطورة.

وفي عام 2011، أدى رفع سقف الدين -وهو من صلاحية الكونغرس- إلى أزمة سياسية خطيرة بين البيت الأبيض والجمهوريين كلفت الولايات المتحدة تصنيفها الائتماني الممتاز من قبل وكالة ستاندارد آند بورز.

ويقضي الاتفاق الذي توصل إليه بايدن وماكونل بزيادة الضرائب على الأميركيين الميسورين ويؤجل لشهرين أي اقتطاعات في النفقات. وأقر مجلس الشيوخ الاتفاق بغالبية ساحقة بلغت 89 صوتا ويفترض أن يتبناه مجلس النواب قبل أن يوقعه الرئيس باراك اوباما ليدخل حيز التنفيذ.

وسيسمح الاتفاق بإرجاء لشهرين في الاقتطاعات في الميزانية التي كان يفترض أن تدخل حيز التنفيذ غدا الأربعاء، لإعطاء مزيد من الوقت للمشرعين من أجل إعداد خطة لخفض النفقات.

الهاوية المالية سلسلة من الإجراءات من بينها زيادة في الضرائب بسبب انتهاء سريان الإعفاءات الضريبية الموروثة من عهد جورج بوش الابن واقتطاعات ضخمة في النفقات بموجب تسوية أقرها الكونغرس عام 2011

موروث بوش
وتعني الهاوية المالية سلسلة من الإجراءات من بينها زيادة في الضرائب بسبب انتهاء سريان الإعفاءات الضريبية الموروثة من عهد جورج بوش الابن واقتطاعات ضخمة في النفقات بموجب تسوية أقرها الكونغرس عام 2011.

ويقول الخبير الاقتصادي الأردني جواد عناني للجزيرة نت إن الحزبين اعتادا على "لعبة الهاوية" قبل الوصول إلى اتفاق مرتبط بمهلة زمنية لإقراره، وأضاف أن المشهد السياسي الأميركي معتاد على هذه "الطرق" السياسية التي تعتمد على "لعبة عد الأصابع السياسية".

وأشار إلى أن المفاوضات ظاهرها اقتصادي وجوهرها سياسي خصوصا أن الانتخابات التشريعية ستُجرى منتصف ولاية أوباما فالجمهوريون بعد خسارتهم معركة الرئاسة يريدون الفوز بالأغلبية بمجلس الشيوخ والمحافظة على أغلبيتهم في مجلس النواب مقابل حزب ديمقراطي منتش بفوز أوباما ويريد السيطرة مع مجلس النواب.

وأضاف أن العامل الرئيسي في هذا الاتفاق سيكون المواطن الأميركي، فالحزبان سيرصدان رد فعل الشارع فإذا وقف الشارع مع أوباما وحزبه فإن موقف الجمهوريين سيكون ضعيفا وسيسيرون في الاتفاق أما إذا كان الشارع رافضا فإن المفاوضات ستتجدد بعد شهرين وقد تكون أشد من المفاوضات الحالية.

وخلص إلى أن الحزبين سيقدمان نفسيهما على أنهما المنتصران، فالجمهوريون سيقولون نحن رفعنا عتبة الدخل الذي سيفرض عليه ضرائب من 250 ألف دولار (رقم وعد فيه أوباما خلال حملته الانتخابية) إلى 450 ألفا، أما الديمقراطيون فسيقولون إن المبلغ ليس بأهمية المبدأ أي إنهم تمكنوا من الوصول إلى اتفاق مع الحزب الذي كان يقول حتى الأمس القريب إنه يرفض فكرة زيادة الضرائب.

مصطفى عبد السلام: بما أن الاقتصاد الأميركي هو "قاطرة" الاقتصاد العالمي والمركز الرئيس لاستثماراته فإن ذلك قد يُعمق الركود الذي يعيشه الاقتصاد العالمي

الانكماش والركود
وحذر خبراء اقتصاديون من إمكانية عودة أول اقتصاد في العالم إلى الانكماش إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، والذي لو لم يمر في الكونغرس يؤدي إلى زيادة الضرائب بمقدار ألفي دولار لكل عائلة سنويا.

هذه المخاوف، جعلت الحزبين -حسب الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام- يضعان خلافاتهما جانبا ويحاولان إخراج بلادهما من أزمة ستترجم انعكاساتها فقدان النمو البطيء أصلا والعودة للركود وتأجيل الخروج من الأزمة المالية.

وأوضح عبد السلام للجزيرة نت أن الأزمة المالية الأميركية شديدة التعقيد نظرا للعجز الرهيب في الميزانية والدين الخارجي الكبير، ولفت إلى أن الأمر الخطير في الاتفاق هو ترشيد الإنفاق الحكومي وهذا ما قد يؤدي إلى ركود اقتصادي وبما أن الاقتصاد الأميركي هو "قاطرة" الاقتصاد العالمي والمركز الرئيس لاستثماراته فإن ذلك قد يُعمق الركود الذي يعيشه الاقتصاد العالمي.

وأكد أن المواطن الأميركي سيشعر بهذه التغيرات بشكل مباشر لأن اقتصاد البلاد يعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات، وبما أن الاقتصاد الأوروبي والعالمي يعاني من أزمة فإن استهلاكه للبضائع الأميركية سيقل وهذا سيؤدي إلى ازدياد البطالة في المجتمع الأميركي وقد يؤدي إلى سيناريو جديد من أزمة 2008 ولكن من دون انهيارات كبيرة في الاقتصاد.

ففي جلستها الأخيرة في 2012، بدت بورصة نيويورك قلقة من الوضع قبل أن تغلق على ارتفاع بعدما تحدث ماكونيل عن تقدم في المفاوضات.

ولم يعلن عن التوصل إلى اتفاق إلا بعدما أغلقت بورصة نيويورك التي ستفتح أبوابها مجددا غدا الأربعاء.

من جانبه أشار المحلل الاقتصادي أحمد أبو النور إلى أن الحزبين توصلا إلى اتفاق لأنهما يعيان المصلحة العليا للبلاد، ولكنه فرق بين الحزب الديمقراطي الميال للعدالة الاجتماعية والحزب الجمهوري الذي يحوي بين أفراده أعضاء من الطبقة الثرية التي تشملها الضرائب ولهذا أصر على رفع عتبة الدخل.

وختم المحلل أن هذا السيناريو نفسه تكرر في موضوع قانون الرعاية الصحية الذي بقي في الأدراج طيلة فترة حكم الجمهوريين حتى أتى أوباما "وقاتل" حتى إقراراه.

المصدر : الجزيرة + وكالات