سوق بعيدين بحلب لم يعد يرتاده سوى بعض الأهالي (الجزيرة)

عقبة الأحمد-حلب

لم تعد المقولة الشعبية السورية "أرخص من الفجل" -كناية على رخص الأسعار- تنطبق هذه الأيام حتى على "الفجل" نفسه بعد الارتفاع الفاحش في أسعار المواد الغذائية والخضار والفاكهة، وباتت مسألة تأمين المواد الغذائية الأساسية موضوعا يؤرق ربَّ الأسرة في حلب.

في "سوق بعيدين" الشعبي الكبير شمال مدينة حلب لم يعد يرتاد هذا السوق سوى بعض الأهالي، وتنبئ حركة السوق البسيطة بمآلات الوضع الاقتصادي المتراجع والواقع المعيشي المتردي  للسكان، بعد أن كان سوقا مفعما بالنشاط والحيوية ويمتلئ بالزبائن قبل أشهر بسيطة فقط، في ظل غلاء كبير للمواد تجاوز الثلاثة أضعاف، وتضاؤل القدرة الشرائية للسكان.

يقول أحد مرتادي السوق -رافضا الكشف عن اسمه- إن أرخص طبخة لعائلة بسيطة تكلف أكثر من 700 ليرة سورية ( نحو ثمانية دولارات)، على أن تكون المواد المستخدمة فيها نوعين أو ثلاثة من الخضار هي البندورة (الطماطم) والبطاطا والبصل، أضف إلى ذلك الخبز والغاز أو الحطب المستخدم في الطهي إن وجد لتصل تكلفة هذه الطبخة إلى ألف ليرة (نحو عشرة دولارات).

أما عن اللحوم والدجاج فتقول السيدة أم عبدو -النازحة من حي السكري  بحلب بعد قصف منزلها- "أصبحنا نحلم فيها".

ويمر الكثير من مرتادي "سوق بعيدين" الذين تراجعت أعدادهم هذه الأيام، دون شراء أي شيء من السوق، سوى "التمتع" برؤية أنواع الخضار والفواكه التي تمكن التجار من إحضارها للسوق والسؤال عن الأسعار.

وقد ضاعف من غلاء المواد الغذائية أجرة النقل في ظل ارتفاع أسعار الوقود (البنزين ستة أضعاف، والمازوت عشرة أضعاف)، حيث تشهد سوق الوقود تذبذبا في الأسعار، فسعر لتر البنزين والمازوت على السواء يتراوح بين 200 و300 ليرة (الدولار يساوي 92 ليرة)، مما أثار عبئا إضافيا على كاهل التجار المحليين والأهالي على السواء.

إقبال ضعيف على الشراء من سوق بعيدين (الجزيرة)

الارتفاع أضعاف
وبنظرة سريعة داخل السوق يتضح أن الأسعار ارتفعت بين الضعفين والثلاثة أضعاف أو أزيد، فسعر كيلو الطماطم والبطاطا 50 ليرة بعد أن كان 15 ليرة، أما البيض فصحنه يتجاوز 275 ليرة بعد أن كان 60 ليرة، وكذلك اللبن يباع الكيلو بـ120 ليرة بعد أن كان بأقل من 55 ليرة، حتى الثوم ارتفع أضعافا مضاعفة فبعد أن كان بـ25 ليرة أصبح الكيلو بـ 125.

ووصل الغلاء للحبوب مثل العدس والبرغل الذي تضاعف سعره، وحتى أكياس النايلون العادية التي تستخدم عند شراء المواد، وحتى الشمع ارتفع ثلاثة أضعاف على خلفية أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء.

ويعزو أبو جمعة -وهو تاجر بالسوق- الغلاء لسببين يتمثل الأول بارتفاع سعر النقل بسبب غلاء الوقود، والثاني ما وصفه بلعبة التجار واستغلالهم للأوضاع خاصة في المناطق "المحررة" التي يسيطر عليها الجيش الحر.

وفي هذا السياق يشير إلى أن العديد من الخضار والبيض يأتي من مناطق الريف الشمالي لحلب التي يسيطر عليها الثوار ولكن جشع بعض التجار رفع الأسعار، أضف إلى ذلك أن السوق المركزي الذي ينقل الخضار منه وإليه ما زال في منطقة تسيطر عليها قوات النظام.

ومما يدلّ على ضعف الشراء عدم تمكن التجار من بيع البضاعة التي جلبوها بنفس اليوم، فبعد أن كان التاجر يبيع بضاعته خلال ساعات، أصبحت حتى البضاعة اليسيرة التي بحوزته لا تباع كاملة إلا بعد ثلاثة أيام في كثير من الأحيان.

ولم يخفِ أبو جمعة أيضا -كبقية من يرتاد السوق- الشكوى من انقطاع الكهرباء والماء عن المنطقة منذ أكثر من شهرين مما زاد في المأساة، مشيرا إلى أن الناس تضطر لشراء الماء بالصهاريج الذي يكلف الواحد منها 1500 ليرة ولا يكفي لعشرة أيام. كما تضطر لإحراق أي شيء بطريقها من خشب وورق ونايلون للتدفئة أو الطبخ.

وسوق بعيدين أفضل حالا نسبيا من أسواق أخرى، فعلى بعد 300 متر من السوق تجد سوقا أخرى خاوية إلا من دكان واحد، بعد قصف قوات النظام للسوق قبل فترة.

ورغم ضنك العيش وصعوبة توفير المواد الغذائية للعائلات في عدة مناطق حلبية وخطر تعرض السوق لقصف الطيران الحربي أو سقوط قذائف عليه كما وقع بمناطق في ريفي حلب وإدلب؛ يسعى الناس وارء لقمة العيش لهم ولأبنائهم حتى لو كان الثمن حياتهم وخبزا مغمسا بالدم.

المصدر : الجزيرة