اللاجئون يفترشون الرصيف بانتظار فتح المعبر (الجزيرة نت)

أحمد دعدوش-الحدود السورية التركية

عند معبر باب السلامة الحدودي بين سوريا وتركيا، يجد السوريون أنفسهم أمام ثلاثة خيارات للانتقال إلى الجانب التركي، فإما استخدام جوازاتهم عبر معبر يسيطر عليه الجيش السوري الحر ويرفع علم الاستقلال بجانب العلم التركي، أو الانتظار إلى أجل غير مسمى إن لم تكن لديهم جوازات، أو التسلل عبر طرق جانبية وعرة، وقد اخترنا تجربة الخيار الأخير من تركيا ذهابا وإيابا لاكتشاف الخيارين الآخرين. 

أرشدنا أحد السوريين للطريق مقابل مائة دولار، وكانت النصائح تتضمن عدم التصوير والسير بين حقول التين والزيتون في مسار محدد تجنبا للألغام، ثم تخطي الأسلاك الشائكة، والجري في وضع منخفض أو الزحف، غير أنه نسي تحذيرنا من لدغات الدبابير التي نالت منا. 

وعلى الجانب السوري، كان الجيش السوري الحر يسيطر كليا على المعبر إداريا وعسكريا، ويضع ختم الجمهورية العربية السورية على جوازات العابرين من الطرفين، ويتلقى رسوم الجمارك من شاحنات نقل البضائع. 

لكن ضريبة هذه المكاسب السياسية والعسكرية كانت باهظة على الصعيد الإنساني، إذ ما زال نحو ستة آلاف نازح سوري يفترشون أرصفة المعبر بانتظار فتحه من الجانب التركي، بعد أن دمرت معظم قراهم في ريف حلب بسبب القصف المتواصل حتى اليوم. 

 الحاج أحمد وابنه يرويان قصص معاناتهم (الجزيرة نت)

نضال ونزوح
وعلى أحد الأرصفة، يستقبلنا الحاج أبو أحمد القادم من بلدة تل رفعت التي يقول إن 90% من أهلها قد نزحوا، ويستعرض تاريخه النضالي منذ ستينيات القرن الماضي.

ويؤكد أن البلاد كانت في ظل حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد وابنه بشار تنحدر إلى الأسوأ كل يوم، وأنه لم يتصور يوما أن يختتم مسيرته بالنضال ضد حكام بلده "الذين أعلنوا الحرب على الشعب". 

ويتدخل ابنه الشاب -الذي كان عاملا في أحد المصانع- ليسرد تفاصيل اعتقاله وتعذيبه قبل النزوح، وعندما سألناه عن سبب نحوله الشديد، قال إن الطعام متوفر بما يكفي لكنه قد يقضي ثلاثة أيام دون أن يشتهي الأكل. 

ورغم اعتيادهم على وجود الكاميرات الصحفية كل يوم، فلا يفوّت النازحون فرصة وجودنا للتجمهر وسرد قصص تدمير قراهم في ريف حلب، ثم اضطرارهم للنزوح منذ أواخر رمضان الفائت، وتورطهم في الانتظار ريثما تعلن السلطات التركية توفير أماكن كافية لإيوائهم.

وقد توسلت إلينا سيدة عجوز لتدبير خيمة تؤوي عائلتها المكونة من ثمانية أشخاص، حيث لم تجد مكانا في الظل، واكتشفنا لاحقا أن المشكلة لا تتطلب سوى توفير خمسين دولارا فقط في الشهر الواحد لإيجار شقة في قرية لا تتعرض للكثير من القصف.

 التوأم أحمد وبيان أبصرا النور في المخيم (الجزيرة نت)

معاناة وأمل
وفي فرصة تجمهر أخرى، أكد الكثيرون عدم قدرتهم على الاستحمام منذ وصولهم، وعرضوا لنا حالات الالتهاب لدى الأطفال، ثم سرد لنا أحدهم قصة ابنته المصابة بالسرطان الرئوي وعجزه عن الدخول إلى تركيا للتأكد فقط من حاجتها لمتابعة علاجها الكيميائي، وخصوصا بعد إنهاك رئتيها من الغبار. 

أما أم محمد فحدثتنا عن معاناتها وهي تذب الذباب عن توأميها المولودين أمس الأول، وقالت إن السلطات التركية سمحت لها بالدخول ليلة الولادة إلى مستشفى كيليس الحكومي، ثم أعادتها بعد يومين إلى الرصيف, وهي تعد نفسها الأكثر حظا لحصولها مع طفليها على غرفة صغيرة كانت مخصصة للحرس على الرصيف نفسه. 

ورغم افتقارهم إلى الحمامات والكهرباء والماء النظيف، فإن الجمعيات الخيرية تتولى كل يوم توفير ما يكفيهم من الغذاء، كما يبذل الجيش الحر جهودا لافتة لحراستهم وحل مشاكلهم وتدبير شؤونهم، وقد أجاب الكثيرون على سؤالنا عن مطلبهم الأول بقولهم "إسقاط النظام"، وليس الطعام ولا الراحة.

وقبل أن نودعهم، كان لا بد من قبول الدعوة لحفلة شاي صغيرة، والاستماع إلى هتافات الأطفال الثورية، ثم الاستجابة لطلباتهم المتواصلة في التقاط الصور لهم وهم يرفعون أصابعهم الصغيرة لتشكل إشارة النصر، وقد رافقتنا ابتساماتهم أثناء تكرارنا لتجربة التسلل إلى تركيا بصحبة إحدى الأمهات التي كانت تبذل جهدا لإخفاء دموعها عن طفلتها الصغيرة.

المصدر : الجزيرة