روهينغيون يرفعون أكفهم تضرعا إلى الله لكي يرفع عنهم البلاء بعد أن شُردوا من منازلهم (الجزيرة)

عبد العظيم الشيخ-الجزيرة نت

مظلوم شعب الروهينغا المسلم في ميانمار (بورما سابقا)، فقد تكالبت عليهم الأهوال والمحن، وسامهم أبناء بلدهم صنوف التنكيل والاضطهاد، وأشاح المجتمع الدولي بمنظماته وحكوماته وجهه عما يتعرضون له، ونسيهم أو تجاهلهم إخوانهم في الدين في كل مكان.

ومن عجب أن الرهبان البوذيين ذوي السطوة والنفوذ في ذلك البلد الواقع في جنوب شرق آسيا، نظموا الأحد في مندلاي، ثاني أكبر مدن ميانمار، مسيرة مشهودة لا للمطالبة بصون حقوق إنسان الروهينغا بل تأييدا لخطة الرئيس ثين سين التي تقضي بطردهم إلى بلد آخر.

وتعد هذه المسيرة أحدث مؤشر لما وصلت إليه المشاعر المتأججة لدى الأغلبية البوذية بعد موجة من أعمال العنف ضد أقلية الروهينغا أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 83 شخصا وتشريد عشرات الآلاف.

أما لماذا يفعل الرهبان؟ ذلك فلأنهم لا يرون للروهينغا أي حقوق في وطن أراد البوذيون الاستئثار به، فقد قال زعيم الرهبان واسمه ويراثو في الدوافع التي حدت بهم لتنظيم المسيرة "دع العالم كله يعرف أن لا وجود للروهينغا بين أقليات ميانمار العرقية بالمرة".

والروهينغا أقلية بالكاد يناهز عددها 800 ألف نسمة، حسب التقديرات الرسمية للعام 2012. ولكي نعرف حجم المأساة علينا أن نقف عند الإحصائيات الرسمية التي أشارت إلى أن أعمال العنف التي تعرضوا لها شردت 700 ألف منهم من بيوتهم، التي أحرقتها الأغلبية البوذية.

تصاعد أعمال التطهير العرقي ضد مسلمي الروهينغا (الجزيرة)

تطهير عرقي
ثمة من يرى أن وراء أحداث العنف تلك رغبة جامحة لدى البورميين البوذيين في التخلص من الروهينغا المسلمين.

يقول د. حبيب صديقي -الناشط في مجال حقوق الإنسان ومناهضة الحروب، والكاتب والباحث البنغالي- إن الأحقاد التي تعتمل في نفوس الأكثرية البورمية تذكيها فكرة خاطئة مفادها أن ميانمار إذا أرادت أن ترتقي سلم المجد فعليها أن تسعى إليه عبر النقاء العرقي وليس التعددية.

ويضيف أن الزعامة البوذية في ولاية أراكان منبهرة بالنموذج الياباني الذي ينزع إلى الانكفاء العرقي على الذات وعدم الاختلاط بمن يحسبهم دونه منزلة.

ويتابع "لذلك فهي (أي تلك الزعامة) تريد إقامة دولة أحادية العِرق وخالية من أي طائفة إثنية أو دينية أخرى".

وقد أعلنها رئيس البلاد الجنرال ثين سين على الملأ أن شعب الروهينغا يجب أن يطرد، وأن على مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تتولى أمرهم باعتبارهم لاجئين، وهو ما رفضته الأخيرة على الفور.

لم تكن دعوة هذا الجنرال، الذي تروج له وسائل الإعلام على أنه رائد الإصلاح في بلده، هي الأولى من نوعها، فقد دأبت الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على حكم البلاد على انتهاج ما يمكن تسميته بسياسة "البوذنة" أو "البرمنة" لأكثر من نصف قرن مضى.

ويبدو أن الموقف الرسمي في ميانمار من هذه القضية يجد قبولا إن لم نقل إجماعا وطنيا من الأكثرية.

حتى زعيمة المعارضة رئيسة حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية سان سو تشي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، آثرت الصمت على الكلام، وهي التي ظل الإعلام الغربي يروج لها على أنها المنافحة عن حقوق الإنسان.

لم تحرك هذه المرأة ساكنا عندما تعلق الأمر بمسلمي ميانمار، وهي التي عانت من بطش العسكر الذين زجوا بها في السجون لمدة بلغت 15 عاما أو تقل قليلا.

عجز إسلامي
ولكن ما بالنا نلقي اللوم على الأكثرية البوذية والمجتمع الغربي فقط، فإذا كان لهؤلاء مصالحهم وذرائعهم، فما الذي يجعل العالم الإسلامي شعوبا وحكومات يلوذ هو الآخر بصمت ولا مبالاة لا نجد لها تبريرا سوى الخنوع والركون للهزيمة.

ولعل المفارقة أن هذا يحدث لمسلمين في بلد يقع في جنوب شرق آسيا، التي تعد أكبر المناطق في العالم من حيث عدد المسلمين.

مطالب بتجميد عضوية ميانمار في آسيان (الجزيرة)

والسؤال المطروح هو: لماذا لا يمارس الزعماء المسلمون في دول المنطقة نفوذهم على النخبة العسكرية الحاكمة التي وقعت تلك الأعمال تحت سمعها وبصرها؟

من سخرية الأقدار أن إندونيسيا، أكبر دول المنطقة مساحة وأكبر دول العالم من حيث عدد السكان المسلمين، ظلت لاعبا رئيسيا في اتحاد دول جنوب شرق آسيا المعروف اختصارا باسم آسيان، الذي يضم ميانمار في عضويته إلى جانب دولتين مسلمتين أخريين هما ماليزيا وسلطنة بروناي دار السلام.

يقول حارس أزهر -منسق جماعة "كونتراس" لحقوق الإنسان في إندويسيا- إن الحكومات في جنوب شرق آسيا مترددة إزاء الضغط على السلطات البورمية فيما يتعلق بقضية الروهينغا مخافة أن تتعرض هي نفسها للمساءلة بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان في بلدانها.

ويردف قائلا إن معظم تلك الحكومات ظلت حتى وقت قريب تنظر لحقوق الإنسان على أنها من المحرمات.

أما منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم في عضويتها 57 دولة ذات غالبية مسلمة، فلم يفتح الله عليها سوى بالقول إنها بصدد اتخاذ إجراءات عملية لحشد الدعم لمسلمي عرقية الروهينغا في ميانمار.

من جانبها، أعلنت المنظمات الإسلامية غير الحكومية بدول الآسيان في مؤتمر عقد في العاصمة الماليزية كوالالمبور في أغسطس/آب الماضي عن البدء بتشكيل ائتلاف جديد لمؤسسات ومنظمات إسلامية غير حكومية في دول رابطة آسيان، يهدف لنصرة الأقلية المسلمة (الروهينغا) في ميانمار وبحث معالجة مشاكلها وإنهاء معاناتها.

وقال رئيس المعهد الماليزي الدولي للتعاون الإسلامي، النائب زهيدي زين العابدين، إن الائتلاف الجديد سيعنى بقضية الأقلية المسلمة في ميانمار في إطار التحرك الدبلوماسي مما "يتيح فرصة للجهود الرسمية على مستوى منظمة آسيان وعلى المستوى الدولي لإنهاء معاناة مسلمي الروهينغا الممتدة منذ عقود".

ليس من مصلحة الروهينغا ولا القيم الإنسانية أن يقف المجتمع الدولي، بشقيه المسلم وغير المسلم، مكتوف الأيدي إزاء ما يتعرض له الروهينغا من إبادة جماعية وتطهير عرقي.

ولعل من نافلة القول أن لمجلس الأمن الدولي من الصلاحيات تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة ما يتيح له اتخاذ الإجراءات اللازمة لصون أو إرساء السلم والأمن العالميين عندما يرى ثمة خطرا يهدد السلام أو ينقضه، أو يقر بوجود عمل من أعمال العدوان، خاصة في قضية خطيرة مثل التطهير العرقي والإبادة الجماعية لا يزال صدى ما وقع منها في البوسنة ورواندا يتردد.

لكن هل يمكن الركون لمجلس الأمن في قضية تمس وجود أقلية إسلامية في دولة غير مسلمة، وقد علمتنا التجارب -وما أكثرها- أن انتظار تعاطف منه في مثل هذه القضايا مضيعة للوقت وإهدار للكرامة، حسب رأي أكثرية في البلدان الإسلامية.

ليس أقل في ظن كثيرين إن أردنا لليل الروهينغا أن ينجلي ولمحنتهم أن تزول، من موقف حازم من الحكومات والمؤسسات والمنظمات الإسلامية تجاه النظام الحاكم في ميانمار، لكي تحمله على صون الحقوق الأساسية لأقلية الروهينغا بحرمانه من أي عقود أو صفقات تجارية واستثمارية.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية