إسرائيليون يتناقشون بشأن واقع صحافتهم ضمن مؤتمر إيلات للصحافة نهاية 2011

وديع عواودة-حيفا

تشهد وسائل الإعلام الإسرائيلية -خاصة المطبوعة منها- أزمة حادة تسببت بفصل مئات الصحفيين والعاملين وتتهدد صحفا بالإغلاق وسط تحذيرات من تبعاتها السلبية على الحالة الداخلية وعلى الصراع.

وتعاني معظم وسائل الإعلام العبرية في إسرائيل أزمة غير مسبوقة تفجرت في الشهور الأخيرة بعد استفحال العجز المالي في معظمها، وتصارع ثلاث من أربع صحف يومية عبرية من أجل البقاء.

وأعلن المالكون الجدد لصحيفة "معاريف" عن نيتهم إغلاقها كصحيفة يومية عدا نهاية الأسبوع وتحويلها لموقع إخباري على الشبكة. ويواصل نحو ألفي عامل فيها فعالياتهم الاحتجاجية على ذلك.
كما تستعد صحيفة "هآرتس" اليومية لمواجهة أزمة حادة تهددها بفصل 200 من الصحفيين والموظفين العاملين فيها والذين يشكّلون 50% من موظفيها.

كذلك تستعد صحيفة "يديعوت أحرونوت" -وهي كالصحيفتين السابقتين قامت قبل قيام إسرائيل- لاعتماد خطة تقليص تغطياتها وموظفيها مطلع العام.

كعكة الإعلانات
يشار إلى أن يديعوت أحرونوت فقدت ريادتها من ناحية نسب الانتشار لـ"يسرائيل هيوم" (إسرائيل اليوم) الصحيفة اليومية المجانية التي ظهرت في 2007 وهي موالية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ويمّولها شيلدون أديلسون اليهودي اليميني الثري المقيم في الولايات المتحدة.

كما تهدد الأزمة بإغلاق القناة العاشرة -وهي إحدى قناتين تجاريتين- مع نهاية العام نتيجة تراكم ديونها، وهي اليوم تتلمس طريق النجاة بتقليص نفقاتها وفصل عدد من موظفيها.

ويؤكد المدير العام لمركز "إعلام" في الناصرة داخل أراضي 48 أمل جمّال أن أزمة الإعلام الإسرائيلي مردها بالأساس اقتصادي.

وأشار للجزيرة نت إلى أن "كعكة الإعلانات" لم تعد كافية نتيجة انتشار مواقع الإنترنت والإعلام الاجتماعي، مشيرا أيضا لدور الرواتب المفرطة لنخب صحفية لم تعد وسائل الإعلام تحتملها اليوم.

جمال: تراجع قوة الصحافة بإسرائيل سيضعف ديمقراطيتها ويقوي صوت اليمين (الجزيرة)

صحف أيديولوجية
ونبه إلى أن سريان المعلومات المجانية في الشبكة قلل الحاجة للإعلانات المدفوعة مما يضعف المنظومات الإعلامية الكلاسيكية.

واعتبر جمال أن الكم الهائل من المعلومات أدى لتشتت المستهلكين في إسرائيل وبالتالي إلى تراجع نسبة القراءة والمشاهدة.

وشدد على أن وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تحمل رسالة أيديولوجية كصحيفة "يسرائيل هيوم" هي التي تحافظ على حالة جيدة نتيجة تكريس أموال حكومية وخاصة لأسباب أيديولوجية.

وأضاف قائلا "تدار المؤسسات الإعلامية في إسرائيل اليوم كمؤسسات اقتصادية ربحية فقط ولم تعد تحظى بدعم حكومي كوسائل اتصال جماهيرية هدفها التعددية وخدمة الديمقراطية".

تبعات سلبية
وأكد جمال تراجع الديمقراطية نتيجة تراجع قوة الإعلام، وقال إنه كلما تقلصّت مساحات وأدوات الإعلام زادت هيمنة الخطاب الرأسمالي واليميني الرافض للتسويات مع العرب جراء تقلص الأصوات المعارضة، وتابع أن "هذا يفسّر عدم إسراع الدولة للتدخل وإنقاذ الصحافة الناقدة". وهذا ما أكده الصحفي والباحث في الإعلام عوزي بنزيمان، لكنه وجه انتقادات قاسية للصحفيين في معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية وحملهم قسطا من مسؤولية الأزمة.

واتهم بنزيمان زملاءه بالسكوت على استغلال الصحافة لأغراض ربحية وسياسية من قبل المالكين والمستوى الإداري رغم أن ذلك أدى لتقديم صورة غير متوازنة للجمهور.

وقال بنزيمان في مقال نشره في مجلة "العين السابعة" الإلكترونية التي تعنى بنقد الإعلام إن الصحافة العبرية لا تطبق ما تعظ به ولا تتصرف بشفافية. وأضاف أن "الكشف للجمهور عما يدور داخل المؤسسات الإعلامية يساهم في منع فسادها ويشجع القراء على التضامن والانضمام للمعركة لإنقاذها من الانهيار".

كاسبي: الأزمة العاصفة بالإعلام الإسرائيلي وليدة سيطرة رؤوس أموال خاصة

الربح فقط
ووافق المحاضر في الإعلام البروفيسور دان كاسبي هذه الرؤية، إذ يرى أن الأزمة العاصفة بالإعلام الإسرائيلي اليوم هي وليدة سيطرة رؤوس أموال خاصة عليها في العقدين الأخيرين لا تهمها الرسالة الصحفية بل الربح فحسب.

وأشار للجزيرة نت إلى انهيار الاعتقاد بأن تأمين جودة صحفية يتم فقط بفضل إدارة أعمال ماهرة، لافتا إلى أن تقديسها حال دون استعداد الصحف مسبقا للمنافسة مع الإنترنت والحد من الأزمة الناجمة عنها.

وأبدى كاسبي المحاضر في جامعة بئر السبع رأيا مغايرا عن المرحلة القادمة، وأشار إلى أنه رغم الأزمة الحادة التي تعصف بالصحافة المطبوعة في إسرائيل والعالم فإن مستقبلها مضمون.

تكيّف وتعايش
ورأى أن ما جرى في وسائل الإعلام الأخرى في الماضي ستشهده الصحافة المكتوبة أيضا، لافتا إلى أن الإذاعة لم تجهز على الكتاب والتلفاز والسينما.

وأضاف قائلا "هكذا فإن الصحافة قادرة على مواجهة الإنترنت وهي اليوم في مرحلة موجعة من الدفاع عن النفس وقريبا ستنتقل لفترة التكيّف والتعايش مع الصحافة الإلكترونية".

وتوقع كاسبي أن تخلي المنافسة والتهديدات مكانها للتعاون والتكامل مرجحا أن تقوم الصحف بدور حيوي باتجاه التعليقات والمتابعات للتغطية السريعة للأحداث في الإنترنت، وبخلاف أفكار شائعة يتوقع كاسبي أن تساهم الشبكة في زيادة حجم ثقافة القراءة بما في ذلك قراءة الصحف.

المصدر : الجزيرة