الشارع العربي خرج للاحتجاج على الإساءة للإسلام ورسوله (رويترز)

بين الدفاع عن حرية التعبير التي يرفع لواءها الغرب والمطالبة بإصدار قوانين تجرم التحريض على "الكراهية الدينية" التي يطالب بها العالمان العربي والإسلامي على خلفية الإهانات الموجهة للإسلام، تظهر مخاوف من اتساع هوة ثقافية بين الشرق والغرب قد تكون نتيجتها صدام حضارات.

وأدى فيلم "براءة المسلمين" الذي صنع في كاليفورنيا والمسيء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى مقتل السفير الأميركي في ليبيا واقتحام سفارات واشنطن ودول غربية أخرى في دول إسلامية بينها دول الربيع العربي وتفاقمت الأزمة عندما نشرت مجلة فرنسية رسوما كاريكاتيرية مسيئة للرسول الأكرم.

فالزعماء المسلمون من المحيط إلى الخليج اجتمعوا على كلمة رجل واحد وطالبوا الغرب بعدم تجاهل الحساسيات الثقافية والاجتماعية والدينية والتخفي وراء الدفاع عن حرية التعبير وغض النظر عن الأفلام والرسومات التي تسيء لدين يعتنقه أكثر من مليار وسبعمائة مليون شخص على وجه البسيطة.

هذا الإجماع برز في اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي عبر مطالبتهم حكومات العالم في بيان -نشر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة- باتخاذ التدابير المناسبة كافة، بما في ذلك قانون ضد الأعمال التي تحرض على الكراهية الدينية والتمييز والعنف على أساس الدين.

وأقر الوزراء "بأهمية حرية التعبير لكننا نشدد أيضا على وجوب التأكد من أن هذه الحرية تمارس بمسؤولية من قبل الجميع وبما يتوافق مع القوانين الدولية لحقوق الإنسان".

وندد الوزراء -الذين أدانوا فيلم براءة المسلمين- "بالتعصب والتمييز والأفكار المسبقة السلبية والكراهية الدينية والعنف ضد المسلمين والإساءة إلى دينهم" وجاء في البيان "أن هذه الأعمال التي تنم عن كره الإسلام تخالف حرية العبادة والمعتقد التي تكفلها النصوص الدولية حول حقوق الإنسان وأساءت بشكل خطير" إلى المسلمين في العالم.

مرسي توقع من الآخرين احترام خصوصية المسلمين ومرجعياتهم الدينية (الفرنسية)

سوء استخدام
في السياق، قال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إن الوقت حان لوضع نهاية لحماية الخوف من الإسلام والذي يتخفى في شكل حرية التعبير وأوضح أوغلو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الخوف من الإسلام أصبح أيضا شكلا جديدا من أشكال العنصرية كمعاداة السامية، مضيفا أنه لم يعد من الممكن التسامح مع ذلك تحت ستار حرية التعبير، لأن "الحرية لا تعني الفوضى".

وأكد الرئيس المصري محمد مرسي أن بلاده تحترم حرية التعبير التي لا تستخدم للحض على كراهية أحد. وأضاف أنه يتوقع من الآخرين احترام "خصوصياتنا الثقافية ومرجعيتنا الدينية وعدم السعي لفرض مفاهيم لا نتفق معها أو تسييس قضايا بعينها وتوظيفها للتدخل في شؤون الغير".

من جانبه، طالب الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري -الذي قتل في بلاده أكثر من 12 شخصا في احتجاجات ضد الفيلم المسيء للإسلام- المجتمع الدولي بعدم الاكتفاء بالمراقبة والصمت وأضاف أنه يجب تجريم مثل تلك الأعمال التي "تدمر سلام العالم وتعرض الأمن العالمي للخطر من خلال سوء استخدام حرية التعبير".

وأمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، خرج أيضا محتجون طالبوا بتطبيق "العدالة" وهتفوا (لا إله إلا الله) وكتب على إحدى اللافتات "إهانة نبي يجب أن تصبح جريمة في الأمم المتحدة".

ودافع معظم المتحدثين الغربيين في الأمم المتحدة عن حرية التعبير ولكنهم تفادوا دعوات من جانب زعماء مسلمين لفرض حظر دولي على التجديف.

في المقابل فإن المدافعين عن حرية التعبير يرون أن حتى الإساءة إلى الأديان مدرجة في هذه الخانة الفضفاضة التي باتت تستخدم كسلاح يشهر "عند الطلب".

وعلى رأس المدافعين يأتي الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي -ورغم إدانته الفيلم- دافع بشدة عن حرية التعبير مما أثار غضب بعض الزعماء المسلمين.

أوباما: يجب مواجهة خطاب الكراهية بإفساج المجال أمام أصوات التسامح والمزيد من حرية التعبير (الجزيرة)
صدام الحضارات
وقال أوباما -في كلمة هيمنت عليها هذه المسألة في الجمعية العامة- إن أقوى سلاح ضد خطاب الكراهية ليس القمع وإنما مزيد من التعبير وإفساح المجال أمام أصوات التسامح التي تحتشد ضد التعصب الديني والتجديف، حسب وصفه.

من جانبه حاول وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله دحض الحديث عن صدام حضارات، وأوضح في كلمته أمام الأمم المتحدة أن "البعض سيجعلنا نعتقد أن حرق مباني السفارات دليل على صدام الحضارات".

وأكد أنه يجب ألا "نسمح لأنفسنا بأن تضللنا مثل هذه الحجج. هذا ليس صدام حضارات، إنه صدام داخل حضارات ونضال من أجل روح حركة التغيير في العالم العربي".

تزامنا، حذرت جماعتا حقوق "الإنسان أولا" والمجلس الإسلامي للشؤون العامة -اللتان تتخذان من الولايات المتحدة مقرا لهما- من أخطار تنظيم مثل هذه الحريات.

وقالتا في بيان مشترك "إن حوادث كثيرة تُظهر أنه عندما تسعى حكومات أو حركات دينية لمعاقبة الجرائم باسم مكافحة التعصب الديني، تعقب ذلك أعمال عنف وتُرتكب انتهاكات حقيقية لحقوق الإنسان ضد الأشخاص المستهدفين".

وأجاز مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة قرارات غير ملزمة عارضها الغرب ضد تشويه صورة الدين منذ أكثر من عشر سنوات وأقرت قرارات مماثلة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

المصدر : وكالات