سياسيون ومحللون قالوا إن الأسد قد يتجه لإقامة دولة علوية مع استمرار فقدانه السيطرة على المدن السورية (الفرنسية-أرشيف)

عبد الرحمن أبو العُلا

سلطت الرسالة التي وجهها المجلس الوطني السوري المعارض إلى العلويين في سوريا الضوء على الطائفة التي ينظر لها على أنها تسيطر على مقاليد الحكم في البلاد، خاصة مع تواتر أنباء عن عزم النظام السوري إقامة دولة علوية كخيار أخير في حال نجاح الثورة المطالبة بإسقاطه والمستمرة منذ نحو ثمانية عشر شهرا.

فقد وجه المجلس الوطني السوري المعارض يوم الاثنين الماضي "رسالة إلى العلويين" -طائفة الرئيس السوري بشار الأسد- دعاهم فيها إلى عدم "القلق من انتصار الثورة والتغيير"، مؤكدا أنهم لن يتعرضوا لأعمال ثأر أو انتقام في حال سقوط النظام.

وجاء في هذه الرسالة "نطمئن أهلنا العلويين وجميع السوريين من كل الاتجاهات والتيارات والأطياف ومن جميع المكونات القومية والدينية والطائفية أن المسؤولية القانونية ستطال المرتكبين أنفسهم فقط"، في إشارة إلى كبار المسؤولين في النظام من سياسيين وأمنيين.

وأضافت الرسالة "ليس لأحد أن يقلق من انتصار الثورة والتغيير إلا من تلطخت أيديهم بدم الشعب وتورطوا بالفساد وسرقة المال العام".

تاريخ وجغرافيا
ومشروع الدولة العلوية ليس جديدا في سوريا، بل سبق أن أعُلن عن دولة علوية على الساحل السوري إبان الاستعمار الفرنسي.

ويُتداول نص وثيقة رفعها زعماء الطائفة العلوية إلى رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك ليون بلوم يؤكدون فيها رفضهم الالتحاق بدولة "سوريا المسلمة" خوفا من "مصير مخيف"، وطالبوا بتأمين دولة للعلويين بعيدا عن سوريا عقب رحيل الاستعمار. واللافت أن من بين الموقعين على الوثيقة سليمان أسد، وهو جد الرئيس بشار الأسد.

وقد مرّت الطائفة العلوية منذ احتلال الفرنسيين لسوريا عام 1920 بمراحل عدة تصدرت فيها المشهد أحيانا وتراجعت في أحيان أخرى إلى أن حسم حافظ الأسد الصراع عام 1970 ليصبح أول علوي يترأس سوريا.

لكن مؤرخين يذكرون أن صراع الطوائف في سوريا في ذلك الوقت لم يكن عقائديا بقدر ما كان سياسيا يستقوي بالطائفة.

الدولة العلوية ليست قابلة للحياة على المدى البعيد، وفق محللين، لكنها تعطي الأسد بوليصة لتأمين انسحابه

ويتكون المجتمع السوري من خمس طوائف وديانات أساسية، وهي وفق آخر إحصائية رسمية عام 1986: المسلمون السنة ويمثلون نحو 76.1% من الشعب، والعلويون 11.5%، والمسيحيون 4.5% والدروز 3% والإسماعيليون 1% والشيعة 0.4%، وهناك تشكيك في هذه الأرقام، إلا أن معظم الإحصاءات لا تبتعد كثيرا عنها.

لكن النقطة الأبرز هي التوزع الجغرافي للطوائف على كامل سوريا، لكن هذا لا يمنع تركز بعض الطوائف في مناطق دون غيرها، كتركز العلويين في المنطقة الساحلية خاصة محافظتي اللاذقية وطرطوس حيث يشكلون نحو 50% من سكانهما. كما أن هناك تجمعا آخر لهم في حمص وحماة يشكل نحو 10% من سكان المدينتين.

ويُشير محللون إلى أن إقامة دولة علوية يبدو مستحيلا من الناحية الجغرافية، إذ إنه يصعب أن تعيش وتحيا دولة ضمن محيط وحدود كلها معادية من الناحية الطائفية، فهناك تركيا السنية في الشمال، وإدلب وحلب السنيتان في الشرق، حماة وحمص من الجنوب الشرقي، وأيضا طرابلس اللبنانية السنية في جنوبها.

ويقول البعض إن المنطقة العلوية ليست قابلة للحياة على المدى البعيد، لكنها تعطي الأسد بوليصة لتأمين انسحابه.

معظم المدن السورية أصابها دمار واسع نتيجة القصف المتواصل (الجزيرة)

دولة علوية
وفي الآونة الأخيرة حذّر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من أن الرئيس السوري بشار الأسد يخطط لإنشاء دولة علوية على الساحل السوري. وأكد مثل هذا التوجه عبد الحليم خدام، وهو أحد أعمدة نظام الرئيس الأب حافظ الأسد قبل أن يغادر إلى المنفى معارضاً.

كما تحدثت تقارير دولية عن عمليات نقل وتخزين للأسلحة الثقيلة والسلع الإستراتيجية في مناطق الساحل السوري.

من جانبه قال منسق العلاقات الخارجية في أوروبا الغربية بالمجلس الوطني المعارض منذر ماخوس إن النظام السوري قد يلجأ إلى هذا الخيار في محاولة أخيرة منه لأن يبقي لنفسه شيئا.

واستبعد ماخوس في حديثه للجزيرة نت أن ينجح النظام في ذلك، مؤكدا أن أغلبية الطائفة العلوية نفسها لا تقف في صف النظام، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع المشاركة في الثورة السورية خوفا من انتقام مبالغ فيه.

وقال ماخوس إن النظام السوري يقوم بعملية تجييش مفادها أنه هو حامي الأقليات وليس فقط العلويين، ويوهم هذه الأقليات بأن رحيله سيؤدي إلى الاقتصاص منهم وتصفيتهم، مستثمرا في ذلك بعض الممارسات الطائفية الفردية. وأضاف أن النظام السوري لا يدافع عن الطائفة العلوية، لكنه يدافع عن بقائه وعن مصالحه الخاصة.

وعن الضباط العلويين الذين يشكلون, حسب ماخوس, غالبية قيادات الجيش والأجهزة الأمنية، قال إن "أكثرهم متورطون في القمع والفساد، ولا يتوقع من هؤلاء أن يتراجعوا، لأن ذلك سيكون بمثابة انتحار لهم".

أما الباحث السوري بالمركز العربي للدراسات والأبحاث بالدوحة حمزة المصطفى فيرى أن النظام السوري ليس نظاما طائفيا بقدر ما هو نظام دكتاتوري يلعب على وتر تسييس الهويات.

وقال المصطفى للجزيرة نت إن مشروع الدولة العلوية مشروع افتراضي يصعب تحقيقه في الواقع لأن المناطق التي يتركز فيها العلويون ليست خالصة لهم، بالإضافة إلى مقاومة مكونات الشعب السوري لهذه الفكرة، مشيرا إلى أنه لا يوجد إجماع بين العلويين على هذا الطرح.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية