المليشيات أصبحت تحت الضغط الشعبي عقب اقتحام القنصلية الأميركية ومقتل السفير في بنغازي (الأوروبية)


خالد المهير- طرابلس

إذا كانت كتيبة واحدة "غير شرعية" كلفت المتظاهرين في جمعة "إنقاذ بنغازي" 11 قتيلا وأكثر من 70 جريحا، فكم سيسقط من الليبيين لاجتثاث المليشيات المسلحة، وإرغامها على الانخراط في القوات الوطنية؟ سؤال يلح على أذهان الليبيين، وتبقى أجوبة الواقع مفتوحة على كل الاحتمالات خصوصا أن ثوارا سابقين ما زالوا يشترطون شروطا للانضواء تحت لواء الجيش الوطني الذي تؤسسه الدولة.

فتحرك الدولة في عدة مسارات لنزع السلاح الذي لم ينضو تحت تشكيلات وزاراتي الدفاع والداخلية، يفتح المجال واسعا لباب الاحتمالات التي أبرزها الدخول في دوامة عنف بين أذرع الدولة الجديدة والمصنفين ضمن "المليشيات والعصابات" خصوصا أن الجهات الرسمية تصنف المجموعات التي لم تنضم إليها بأنها "متمردة ورافضة".

استخدام القوة
يوجد في ليبيا 1700 تشكيل مسلح وفق التقديرات الرسمية الصادرة عن هيئة شؤون المحاربين. وفي منطقة نائية جنوب طرابلس اسمها الزنتان وصل عدد الكتائب إلى 240 كتيبة، بحسب تصريحات مسؤول السياسات في المجلس الوطني سابقا فتحي البعجة، وهذا يجعل مهمة أي باحث عن مدى شرعية كتائب الثوار من كتائب "ما بعد التحرير" أشبه بضرب الودع في ظروف ليبيا الراهنة. وقد تأسس جزء منها على أسس قبلية "صرفة" وظهرت أخرى "منفعية ومصلحية" إثر صرف الدولة مبالغ كبيرة مكافة للثوار.

وقد انتبهت الدولة إلى خطورة المليشيات بعد مقتل السفير الأميركي كريس ستيفنز في هجوم مسلح على مقر القنصلية ببنغازي في 12 من الشهر الجاري، لكن المليشيات متهمة بتنفيذ عمليات "خطف وقتل وتفجيرات وإرهاب" في عدة مدن، وقد حصدت بنغازي النصيب الأكبر من هذه الأعمال.

معتقل ليبي لدى إحدى كتائب الثوار
(الجزيرة نت)

ولم يتردد الناطق الرسمي باسم رئاسة أركان الجيش الوطني علي الشيخي في القول إن وزارته على استعداد لاستخدام القوة ضد المجموعات الرافضة للانضمام إلى الدولة، معتبرا قرار المؤتمر الوطني بحل المليشيات "خطوة هامة" للحد من تدهور الأوضاع الآن.

مصلحة ليبيا
وأوضح في تصريح للجزيرة نت أن الكتائب التي معها القوة ليست رافضة للشرعية، مؤكدا أنها بدأت تسليم مقراتها وأسلحتها. وبغض النظر عن الضغوط الشعبية والدولية، رأى الشيخي أن القرار لمصلحة ليبيا، مؤكدا أن الإرادة الشعبية ساعدت السلطات في اتخاذ هذا القرار.

وفي رده على سؤال للجزيرة نت عن كون الطائرات الأميركية العاملة بدون طيار قد ساهمت في تحديد مواقع المليشيات الرافضة، قال المسؤول الليبي "لا أعتقد أنها قدمت الكثير"، مضيفا أن غرفة العمليات المشتركة مختصة بهذا الملف، لكنه استدرك قائلا إن "الكيانات الشرعية" حددت مواقعها، في إشارة إلى تعاون عدد من المليشيات مع جهود الدولة.

وضع خطير
أما آمر اللواء الأول من المشاة حامد بالخير -الذي اختطفته كتيبة مجهولة السبت- فقد قلل من أهمية قرار حل المليشيات. وقال إن القرار يحتاج إلى إرادة حقيقة لتنفيذه "وهي غائبة"، مؤكدا أن قوة أخرى تتحكم في هذه المواضيع، مضيفا في حديثه للجزيرة نت أن من الأهمية فتح حوار بين المؤتمر الوطني والمجموعات المسلحة لمعرفة وجهة نظرها. وأكد أن "بعض المجموعات قد تضرب بالقرار عرض الحائط".

ووصف بالخير قرار حل المليشيات بأنه غير ملزم، مؤكدا أن خطورة الوضع تستلزم من الدولة الإعلان للرأي العام عن خططها وقرارتها، وأن على الشعب -صاحب الشرعية- تنفيذها، ما دامت الدولة لم تؤسس جيشا وشرطة، حسب رأيه.

ونبه آمر اللواء إلى أن الشرعية الممنوحة لبعض التشكيلات تحتاج إلى آلية تنظيمية لكيفية التفتيش والمراقبة، مؤكدا أن ما يتردد عن تسليم كتيبة 17 فبراير ببنغازي إلى أحد قادة الثوار العسكريين -وهو صلاح بوحليقة- ضرب من المستحيل، قائلا لوزير الدفاع ورئيس الأركان "لا داعي لقرارات غير قابلة للتطبيق".

استخدام السلاح مستمر منذ أيام الثورة في ظل رفض بعض المليشيات الانخراط في الجيش (الفرنسية-أرشيف)

وتوقع بالخير في ختام حديثه ظهور مليشيات جديدة بعد اقتحام مقر سرايا راف الله السحاتي يوم الجمعة واستيلاء المواطنين على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

خطأ فادح
وحتى تكتمل الصورة، فقد حملت الجزيرة نت أسئلة القلق الشعبي إلى قيادات المليشيات، لكنه من الصعوبة العثور على أولئك القادة، وبعضهم يتجاهل الرد على الاتصال وخصوصا من اتهموا إعلاميا بحادثة اقتحام القنصلية الأميركية في بنغازي.

ومع ذلك فإن بعض المليشيات لم تردد في التصريح لنا، وقد تباينت آراء المسلحين بشأن قرار حل المليشيات، فبعضهم أبدى تفهما للقرار، في حين بطّن بعض آخر استعداده للتعاون بنوع من التحذير فقال إن حل تلك القوات في بعض المناطق سيتسبب في الفوضى وانعدام الأمن.

وتساءل رئيس هيئة شؤون المحاربين مصطفى الساقزلي عن آلية تفكيك هذه المجموعات التي لم يأت القرار على ذكرها، وقال في مقابلة مع الجزيرة نت إنه "لن يكون له صدى ما لم توجد البدائل"، مؤكدا أنه في ظل البطالة والركود الاقتصادي وتعطل المشاريع "ليس للشباب ملجأ إلا كتائبهم".

وبينما توقع رئيس مجلس برقة العسكري صالح العبيدي "جدوى كبيرة من القرار"، اعتبر يوسف هارون القيادي في كتيبة "شهداء بوسليم" -التي داهمها المواطنون الجمعة- القرار "خطأ فادحا"، مؤكدا أن المجموعات الخطرة ما زالت تملك السلاح والعتاد، في إشارة إلى منح الشرعية لثلاث كتائب فقط، وهي "درع ليبيا" و"17 فبراير" و"سرايا راف الله السحاتي".

أما حسين الفيتوري آمر سرايا ليبيا الأحرار بكتيبة عمر المختار فقد ألمح إلى إمكانية إخلاء المواقع في منطقة الكفرة إذا تراجعت الدولة عن قرارها بمنح الشرعية لبعض التشكيلات، مؤكدا أن ضباطا عسكريين في كتائب الثوار يرفضون دخول الجيش الوطني إلى حين تأسيس جيش وطني "بدون أزلام القذافي والمتسلقين".

المصدر : الجزيرة