آخر عملية أودت بحياة السفير الأميركي في هجوم على القنصلية بمدينة بنغازي (رويترز-أرشيف)

خالد المهير-طرابلس

دخلت ليبيا مؤخرا في دوامة عنف متسارعة لم تنته حتى بمقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز في هجوم مسلح على مقر القنصلية ببنغازي يوم 12 سبتمبر/أيلول من الشهر الجاري، وسط تكهنات بأن ما يجري جزء من تصفية حسابات سواء بين تنظيم القاعدة وأميركا أو بين النظامين الليبيين السابق والحالي.

وليس من مصلحة البلاد التي تتطلع إلى الاستقرار خلط الأوراق الأمنية والعسكرية والسياسية، فقد تتدهور الأوضاع وتنشب حرب جديدة بين الأطراف الإسلامية "المتشددة" بعد تهديد "أنصار الشريعة" بجر ليبيا إلى الجحيم، والخروج المتوقع للشعب مساء اليوم في مظاهرات تدعو لنزع السلاح بالقوة.

ولم تنته ليبيا من ممارسات القذافي في السابق حتى الآن، فهي تشهد يوميا عمليات خطف وقتل واغتيالات وتفجيرات على مرمى ومسمع من السلطات الانتقالية.

السويحلي: ليست لدينا أدلة قاطعة على تورط القاعدة في أحداث بلدنا (الجزيرة نت- أرشيف)

تكهنات
وبينما اعتذرت قيادات في وزارة الداخلية عن التعليق على دوامة العنف، فإن عضو المؤتمر الوطني رئيس الاتحاد من أجل الوطن عبد الرحمن السويحلي قال إنه ليس هناك دليل قاطع يؤكد أن تنظيم القاعدة هو من يقف وراء هذه الأعمال "العنيفة"، وأبرزها مقتل ستيفنز.

وأضاف السويحلي أن الأجهزة التنفيذية لم تقدم للمؤتمر الوطني أدلة قطعية بهذا الشأن، محملا المجلس الوطني الانتقالي المسؤولية الكاملة عن الوصول إلى هذا الوضع، ومؤكدا في تصريح للجزيرة نت أنه لم يتخذ الإجراءات "الرادعة" ولم يؤسس أجهزة أمنية قوية للتصدي للوضع الأمني. كما اتهم المجلس والحكومة بالفشل الذريع في هذه المهمة.

وأكد أن المستفيد الأول من الوضع الحالي بقايا النظام السابق وعناصر دولية وإقليمية تحبذ فشل الثورة الليبية لتقول إن ثورات الربيع العربي "ليست هي الحل"، لكن رئيس المؤتمر الوطني محمد المقريف قال قبل أيام إن القاعدة تعمل بقوة في ليبيا.

وبينما يرفض القيادي في جماعة الإخوان المسلمين محمد قعير في تصريح للجزيرة نت اتهام جهة محددة بالوقوف وراء التدهور الأمني، تحدث أحد قادة الثوار -وهو وسام بن حميد آمر قوات درع ليبيا- مع الجزيرة نت عن تصفية حسابات على قدم وساق بين قيادات النظام السابق من رجال أمن وفدراليون وأزلام "دعاة فتنة"، وبين الثوار والنظام الجديد.

وقال إن الدعوات الصريحة من قبل تلك القيادات لضرب كتائب الثوار، هي محاولة لتصفية الحسابات مع الثورة عبر تغلغلهم في مؤسسات المجتمع المدني وقيادة المظاهرات، متحدثا عن "لصوص" المظاهرات التي قد تخرج اليوم.

كما رفض بن حميد اتهام القاعدة بالتغلغل في ليبيا، وقال إن ذات أحداث السفارة تكررت عام 2006 أمام القنصلية الإيطالية وسقط فيها عشرات المواطنين ولم تكن هناك قاعدة، مؤكدا أن الأمور لا بأس بها مقارنة بحجم السلاح المنتشر.

محللون: حرق القنصلية تصفية حسابات بين أميركا والقاعدة على ساحة جديدة
(الجزيرة نت-أرشيف)

كتلة فاسدة
من جانبه قال عمر موسى الفضيل -وهو عضو مؤسس في الاتحاد العام لمؤسسات المجتمع المدني- إن كتلة المصالح المرتبطة بالأطراف الداخلية التي كانت على صلة بالقذافي، تلعب من جديد في الساحة للمحافظة على مصالحها والانفراد بالقرار والثروة، مؤكدا أنهم في السابق كانوا يخدمون حكم القذافي، وحاليا خرجوا إلى العلن في سبيل مصالحهم الخاصة.

وأكد الفضيل في حديثه للجزيرة نت أن هذه الكتلة تحاول إرجاع ثقافة القذافي إلى مسرح الأحداث، والاستمرار على النهج الأول من تهميش بعض المناطق وإعادة المركزية بقوة، مشيرا إلى أن ليبيا تحتاج إلى سنوات للقضاء على امؤسسات المصالح والفساد المالي والإداري.

كما أكد أن خططهم في هذا الوقت تتمثل في اللعب على الوضع الأمني "الهش" من الأساس، متحدثا عن لاعبين جدد من خارج الساحة، في إشارة صريحة إلى القاعدة وأميركا، ورجح أن تتحول بلاده إلى ساحة صراع بين الاثنين.

دور أكبر
ورغم قوله إن القاعدة ليس لها وجود يذكر، فإنه أشار إلى أن بعض العوامل قد تجعل لها دورا أكبر، مؤكدا قدرتها على الاستفادة من الأوضاع كما حدث في الفيلم المسيء إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

ورجح الفضيل أن اختيار شخصية أميركية دبلوماسية بحجم ستيفنز الذي كان صديقا لليبيا، مؤشر لبوادر تصفية حسابات من نوع آخر، وقال إنه كان على القاعدة اختيار ساحة أخرى لتصفية الحسابات مع الولايات المتحدة.

وفي تعليق مقتضب للباحث السياسي حمزة العوكلي للجزيرة نت قال إن تراجع دور القبائل أدى إلى تشابك الحالة الليبية، نافيا مسؤولية من وصفهم بأنهم "أزلام القذافي" عن الوضع القائم، ولمح إلى أن الجماعات الإسلامية "المتشددة" هي أيضا برزت إلى السطح في غياب القبائل والقوى السياسية الحقيقية.

المصدر : الجزيرة