مرسي يسعى لإيجاد سياسة خارجية مصرية تعتمد على الانفتاح والتوازن (الفرنسية)

عبد الرحمن أبو العُلا

أعطت التحركات الخارجية للرئيس المصري محمد مرسي خلال شهرين منذ انتخابه انطباعا بميلاد سياسة خارجية مصرية جديدة تختلف كثيرا عن ما كانت عليه قبل اندلاع ثورة 25 يناير، وتنبئ باستعادة مصر دورا إقليميا ودوليا تراجع كثيرا في العقود الماضية.

وقبل البدء في رصد ملامح السياسة الخارجية المصرية الجديدة، تجدر الإشارة إلى أن المراقب للشأن المصري يلحظ إهمال النظام السابق عددا من الدوائر الخارجية واكتفاءه بالتبعية للنظام الدولي والولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى تدني مكانة مصر عربياً وإقليمياً ودولياً، إلى جانب تهديد الأمن القومي المائي لمصر، وصعود قيادات إقليمية منافسة لمصر.

ومن ثَم كان التحدي الأول على المستوى الخارجي للرئيس مرسي هو إعادة الحيوية للسياسة الخارجية المصرية، وتحديد معالمها وتوجهاتها السياسية إن أراد استعادة المكانة السياسية لمصر عربيا وإقليميا ودوليا.

زيارة مرسي الخارجية الأولى كانت للسعودية لطمأنة دول الخليج (دويتشه فيلله)

زيارات نوعية
وفي سبيل سعيه نحو تفعيل السياسة الخارجية المصرية، تحرك مرسي سريعا نحو الخارج.

وبدا لافتا أن الزيارة الخارجية الأولى للرئيس المصري كانت إلى السعودية في العاشر من يوليو/تموز الماضي بعد أقل من أسبوعين من توليه منصبه، في إشارة تبعث طمأنة إلى الدولة الخليجية الأكبر بأن النظام الجديد ليس في معرض الصدام مع مصالح دول الخليج التي بدا على بعضها تحفظ كبير تجاه الثورة المصرية.

كما حرص مرسي على أن تكون زيارته الأولى لدولة غير عربية إلى إثيوبيا التي زارها منتصف يوليو/تموز لحضور قمة الاتحاد الأفريقي، مما أعطى دلالة على عودة مصر إلى عمقها الأفريقي الذي يبدو أن القطيعة معه قد طالت.

واكتسبت زيارة مرسي لإثيوبيا أهمية أخرى كونها أهم دول حوض النيل التي لها خلاف طويل مع مصر على توزيع حصص مياه النيل.

مرسي دشن ملفا جديدا للسياسة الخارجية المصرية بزيارته للصين وإيران
مما دفع الدول الغربية للمسارعة بدعوته لزيارتها

وفي نهاية أغسطس/آب فتح الرئيس مرسي ملفا جديدا للسياسة الخارجية المصرية، دشنه بزيارته للصين، وكان الهدف الأساسي للزيارة اقتصادياً، إلا أن الهدف السياسي ظل حاضرا خاصة وأنه كسر السير التقليدي لزيارات رئيس مصر للعالم الدولي التي كانت دائماً تبدأ بالولايات المتحدة.

ويبقى أن زيارة مرسي لإيران وإن لم تستغرق إلا ساعات قليلة وكانت ظاهريا لتسليم رئاسة حركة عدم الانحياز لطهران، إلا أنها لم تكن متصورة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك وكانت تعبيرا عن انفصال حاد عن الماضي.

في المقابل يرى البعض أن زيارة مرسي للسعودية والموقف الحاسم المعلن في طهران من الأزمة السورية دليل على أن النظام المصري الجديد لن يغير في سياسة الانحياز للمعسكر الأميركي وحلفائه الإقليميين.

وهو ما عبر عنه بعض المحللين بالقول إنه رغم سعي مرسي لإعادة ترسيخ مصر في قلب الدبلوماسية الإقليمية فإنه لا يستطيع تحمل "تنفير" الحلفاء التقليديين في الغرب والخليج.

لكن المؤكد أن تحركات الرئيس المصري النشطة نحو الشرق أغرت الدول الغربية بدعوته لزيارتها خوفا من خروج أكبر دولة عربية من المحور الغربي، وطمعا في الحصول على موطئ قدم في مصر الجديدة.

وسرعان ما لبى مرسي الدعوة لزيارة بلجيكا ومقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل وأتبعها بزيارة لإيطاليا. كما ينتظر أن يتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك بالإضافة إلى كل من لندن وباريس.

ولم تقتصر سياسة مرسي الخارجية الجديدة على زياراته فقط، بل عمد إلى استقبال شخصيات طالت قطيعة النظام السابق معها.

فإضافة إلى استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس أكثر من مرة، استقبل رئيس الوزراء المقال إسماعيل هنية ورئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل، مؤكدا أنه يقف على مسافة واحدة من الجميع. كما التقى الرئيس السوداني عمر البشير الذي فترت علاقة القاهرة ببلاده في العهد السابق.

ويبقى أن الاختبار الأكبر للسياسة الخارجية المصرية في عهد مرسي يتمثل في العلاقة مع إسرائيل التي كانت على علاقة وثيقة مع النظام السابق، وبينما يحاول مرسي تجنب الإشارة إليها، إلا أنه أكد مرارا على احترام مصر لمعاهدتها الدولية في إشارة إلى معاهدة كامب ديفد بين البلدين.

من جانبه يرى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى أن تقييم منهج السياسة الخارجية المصرية للنظام الجديد، أمر لا يمكن الحكم عليه الآن.

ويضيف أن الزيارات المختلفة للرئيس مرسي لا يمكن تحديد طبيعة التوجه السياسي الجديد منها كون هذه الزيارات تحمل مغزى اقتصاديا بالدرجة الأولى.

مرسي استثمر قمة عدم الانحياز بطهران وبعث برسائل لأطراف إقليمية ودولية  (الفرنسية)

استثمار الفرص
اللافت في توجهات مرسي الخارجية حرصه على مخاطبة المنتديات العربية والدولية عبر استثمار فرص اتيحت أمام صانع السياسة الخارجية المصرية ونجح في الاستفادة منها بدرجة كبيرة.

فقد استثمر مرسي انعقاد مؤتمر القمة الأفريقي في أديس أبابا، لإعادة مصر إلى أفريقيا، بعد قطيعة استمرت نحو 17 عاما. ومن هنا جاء حضور الرئيس مرسي للقمة وكلمته أمامها، ومباحثاته المكثفة لترسل رسائل عن سياسة مصر الأفريقية الجديدة، وأنها ستكون في قلب دوائر سياستها الخارجية.

ثم جاء حضور مرسي لقمة منظمة التعاون الإسلامي في مكة المكرمة والتي تم استغلالها في تأكيد عودة مصر إلى دائرتها العربية والإسلامية حيث طرح مبادرته لحل الأزمة السورية باقتراح تشكيل لجنة رباعية تضم إضافة إلى مصر، السعودية وتركيا وإيران.

وجاءت قمة عدم الانحياز في طهران ليشارك بها مرسي، وجاء استغلالها بشكل جيد، رغم الجدل الواسع داخلياً وخارجياً حولها، حيث كان حضور الرئيس مرسي للقمة وزيارته لطهران، بعد قطيعة مصرية استمرت 33 عاماً، فرصة جيدة لفتح هذا الباب المغلق، ونقل عدد من الرسائل الرمزية للعديد من الأطراف الإقليمية والدولية.

ثم جاءت فرصة المؤتمر الدوري لوزراء الخارجية العرب في مقر جامعة الدول العربية، ليستثمرها مرسي في توجيه كلمة تحدد توجهات سياسة مصر العربية وأهميتها في قيادة المنطقة والدفاع عن قضاياها.

وفي حين يرى محللون أن تحركات مرسي الخارجية تنبئ باستعادة مصر دورا إقليميا ودوليا تراجع كثيرا في العقود الماضية، يقول آخرون إن خطاب النظام المصري الجديد الموجه إلى الخارج ما زال ينسج على منوال النظام السابق، فتتسم ملامح كلا النظامين بالقول وإبداء الرغبات من دون طرح خطط محددة وآليات واقعية للتنفيذ.

المصدر : الجزيرة