جنود من المارينز يتولون حراسة مبنى أقام فيه دبلوماسيون أميركيون في صنعاء في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إبان الثورة الشبابية (رويترز)

مجدي بدوي
 
يثير وصول قوات من مشاة البحرية الأميركية (المارينز) إلى اليمن موجه واسعة من الرفض لدى قطاعات عريضة من اليمنيين، الذين يرون في الأمر تفريطا في السيادة الوطنية، كما تحيط الشكوك بطبيعة المهمة التي جاءت تلك القوات لأجلها، وسط مخاوف من أن تأتي تلك الخطوة بغير ما تشتهي واشنطن.
 
التبرير الذي أعلنته رسميا واشنطن وصنعاء لإرسال تلك القوات هو حماية السفارة الأميركية في صنعاء إثر اقتحام متظاهرين غاضبين لها احتجاجا على الفيلم الأميركي المسيء للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولمزيد من امتصاص رد الفعل الغاضب أكدت الإدارة الأميركية أن مهمة تلك القوات مؤقتة. لكن التبرير والتأكيد لا ينفيان الشكوك أو يزيلان المخاوف.

وإذا كانت الإساءة للرسول الكريم قد أشعلت غضب اليمنيين كغيرهم من  العرب والمسلمين فإن ثمة إساءات أخرى وجهها صانعو السينما الأميركية إلى الشخصية اليمنية، تماما كشخصية العربي والمسلم في معظم أفلام هوليود.

 يمنيون يتظاهرون أمام السفارة الأميركية في صنعاء (الفرنسية)

اليمني في هوليود
ربما لم تتح لكثير من اليمنيين مشاهدة فيلم "قواعد الاشتباك" الذي كتبه وزير البحرية الأميركية السابق جيمس ويب وأنتجته شركة باراماونت في هوليود عام 2000 بدعم وزارة الدفاع (البنتاغون) وحصد 43 مليون دولار في 17 يوما من عرضه ورشح لنيل الأوسكار.

ويتضمن الفيلم إهانات بالغة للشعب اليمني رجالا ونساء وحتى أطفالا، حيث يقدمهم جميعا بصورة المتعطشين لدماء "الأميركيين الحضاريين"، كما يظهر جنود المارينز في صورة المتصدي البطل لهم.

ودفع هذا التجني المنظمة الأميركية العربية لمكافحة التمييز إلى تنظيم مظاهرات احتجاجا عليه في المدن الأميركية، وعدته "الفيلم الأكثر عنصرية في تاريخ هوليود"، وقالت السفيرة الأميركية لدى صنعاء في ذلك الوقت باربرا بودين "إنه "فيلم غبي ومهين للغاية، أهان الشعب اليمني".

لكن المارينز يخرج من فيلم هوليود العنصري إلى أرض الواقع في اليمن بعد مرور 13 عاما، وبعدد 300 جندي وصلوا إلى اليمن على دفعات منذ الجمعة الماضي، وذلك حسب منظمات المجتمع المدني في اليمن.

علي السلال:
اليمن دولة مستقلة وذات سيادة ولا نقبل بالتدخل الأجنبي في بلادنا سواء الجنود أو المعدات العسكرية أو غيرها والسكوت عن التدخل الأجنبي تفريط بالسيادة الوطنية 

غضب وشكوك
وجاء ذلك رغم معارضة البرلمان اليمني الذي أكد رفضه "أي تواجد أجنبي على أراضي الجمهورية اليمنية سواء كان صغيرا أو كبيرا تحت أي ذريعة" وطالب بـ"رحيل هذه القوات، خاصة وحدة المارينز التي أعلن وصولها مؤخرا".

وتساءل رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي اليمني المعارض عيدروس النقيب عن سبب وجود تلك القوات قائلا: هل جاء استقدام القوات الأميركية إلى اليمن بناء على اتفاق مع السلطات اليمنية؟ ولماذا نحتاج لوجود قوات أجنبية بينما لدينا عدد لا يحصى من الأجهزة الأمنية؟

أما عضو مجلس الشورى علي السلال -نجل أول رئيس لليمن بعد الثورة- فحذر من "التفريط في السيادة الوطنية تحت أي ذريعة كانت"، وأكد أن اليمن "دولة مستقلة وذات سيادة، ولا نقبل بالتدخل الأجنبي في بلادنا سواء الجنود أو المعدات العسكرية أو غيرها". كما عد السكوت عن التدخل الأجنبي "تفريطا بالسيادة الوطنية التي ضحى الآلاف من الشهداء والجرحى في سبيل الحفاظ عليها".

من جهته أبدى عضو اللجنة المركزية لحزب المؤتمر الشعبي العام (المشارك في الائتلاف الحاكم)، زيد محمد الذاري خشيته من أن يكون إرسال المارينز إلى بلاده "بمثابة مبرر لتواجد أميركي دائم في اليمن". وأضاف أن "اقتحام السفارة بالشكل الذي تم يوحي بأن هناك أهدافا كبيرة من ورائها، ما يعني أنها كانت لخلق مبررات وتشريع التواجد والحضور الأميركي المباشر تحت مبرر حماية السفارة".

مقر حصري
ويزيد من تلك المخاوف ما يتردد على نطاق واسع في اليمن هذه الأيام بشأن قيام السفارة الأميركية بصنعاء بشراء عدد من المنازل والمباني المحيطة بمبناها الواقع في منطقة سعوان شمال صنعاء، ونقلت تقارير إعلامية يمنية عن مصادر مطلعة على الأمر قولها إن السفارة قامت بشراء فندق شيراتون صنعاء المطل على مبناها، وأصبح مقرا رئيسا وحصريا لقوات المارينز، وعملاء جهاز الاستخبارات (سي آي إيه)، وأغلق أبوابه في وجه النزلاء المدنيين من مختلف الجنسيات.

على الجانب الرسمي اعتبر المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء اليمني راجح بادي أن وجود القوات الأميركية مؤقت، وقال إن الحكومة اليمنية ترفض أي وجود عسكري أجنبي على أراضيها، "لكن ونتيجة لحالة الانقسام القائمة في صفوف الجيش والأمن سمح بوجود عدد محدود من قوات المارينز بهدف حماية السفارة الأميركية فقط ولفترة زمنية مؤقتة، وهؤلاء سيغادرون اليمن".

بين المخاوف والتطمينات يضيف وجود القوات الأميركية في اليمن عنصر تعقيد جديدا لأزمات اليمن المعقدة بالفعل، وفي مقدمتها التحديات الأمنية التي تجرف أمامها طموحات وآمال الثورة الشبابية التي يرى اليمنيون أنهم لم يجنوا المأمول من ثمارها بعد.

المصدر : الجزيرة + وكالات