ساحة الإرادة شهدت تجمعات عدة للمعارضة الكويتية (الفرنسية-أرشيف)

عبد الرحمن أبو العلا

"لكم الإمارة ولنا الوزارة"، هكذا يختصر المعارضون في الكويت مطالبهم واحتجاجاتهم في هذه الجملة الصغيرة المبنى الكبيرة المعنى، والتي يعتبرها البعض تغيرا تاريخيا في خطاب المعارضة.

وعلى وقع أنغام الربيع العربي وألغامه يستلهم كويتيون روح ميدان التحرير بالقاهرة وساحة التغيير في صنعاء، غير أنهم لا يهتفون بالهتاف الأثير "الشعب يريد إسقاط النظام"، فهذا ليس مطلبهم -كما يقولون- ولا أحد ينازع ذرية المبارك على الحكم.

ففي "ساحة الإرادة"، حيث تنظم المعارضة الكويتية احتجاجاتها، طالبت بإسناد رئاسة الوزراء لشخصية من خارج الأسرة الحاكمة، وبمنع شخصيتين بارزتين في الأسرة من الوصول إلى ولاية العهد، وفيما تواصل رفضها لتعديلات محتملة على قانون الانتخابات، تطالب أيضا بمزيد من الديمقراطية.

يقول النائب الإسلامي وليد الطبطبائي محددا مطالب المعارضة "تكون لأسرة الصباح الإمارة وللشعب الوزارة، ومنكم الأمراء ومنا الوزراء"، في تأكيد على مطلب المعارضة بتشكيل حكومة منتخبة يقودها شخص من خارج أسرة آل الصباح التي تحكم الكويت منذ أكثر من 250 سنة.

ويضيف "نقول كما قال سعد زغلول إن الحق فوق الأمة والأمة فوق الحكومة، لذلك قررنا كشعب أن يكون رئيس الوزراء الحالي جابر المبارك آخر رئيس وزراء من ذرية آل الصباح".

مجلس الأمة أصبح معلقا بعد حل المجلس المنتخب وعدم تمكن المجلس السابق من الانعقاد (الجزيرة-أرشيف)

أزمات تلو أزمات
وتتوالى احتجاجات المعارضة بينما البرلمان مُعلق والقطيعة قائمة بين السلطة والمعارضة، والجدل متواصل في الشارع السياسي وفي وسائل الإعلام على حد سواء.

ويرجع محللون تصاعد مشكلات الكويت السياسية مع اختيار الشيخ ناصر محمد الأحمد رئيساً للوزراء في السابع من فبراير/شباط 2006 الذي رفضت المعارضة كثيرا من سياساته الداخلية والخارجية، خاصة الخلاف على قانون الانتخابات وتوزيع الدوائر الانتخابية. كما اتهمته بتعيين فاسدين وبدفع رشىً لنواب.

وبعد سبع حكومات وأزمات متكررة -حل بسببها البرلمان أربع مرات- نجحت المعارضة في إبعاد الشيخ ناصر عن رئاسة الحكومة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وتولى بدلا منه الشيخ جابر المبارك الصباح الذي اعتبرته المعارضة مقبولا، خصوصاً بعدما أتبع الأمير صباح الأحمد الصباح تكليفه، بحل المجلس المنتخب عام 2009 أو «مجلس القبيضة» كما تسميه المعارضة إذ تتهم نواباً موالين للحكومة بقبض رشىً منها.

وفي مطلع شهر فبراير/شباط 2012 تم انتخاب برلمان حازت المعارضة على 35 من مقاعده الخمسين وهي غالبية حاكمة. وبينما كان المجلس يشرع في التحقيق في ملفين مهمين يخصان فساد الحكومة السابقة اتخذت المحكمة الدستورية في يونيو/حزيران قرارا بإبطال إجراءات مرسوم حل مجلس 2009، ما يعني عودة المجلس السابق إلى الحياة وإبطال مجلس 2012 ذي الغالبية المعارضة.

قرار المحكمة الدستورية أثار انتقادات غير مسبوقة للقضاء واتهامات بتسيسه، ما جعل المعارضة ترفع سقف مطالبها وصولا إلى "الإمارة الدستورية" تتضمن حكومة منتخبة بالكامل من مجلس الأمة، أو ما عرف لاحقا بـ"لكم الإمارة ولنا الوزارة".

لم تقتصر أزمات الكويت على الجانب السياسي، إذ يرى معارضون أن التنمية في الكويت لم تكن في حال أسوأ مما هي عليه الآن

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بعد أن رفعت الحكومة كتابا إلى المحكمة الدستورية يطعن في سلامة نظام الدوائر الانتخابية الحالي وعدالته والذي أقر برلمانيا عام 2005 ويقسم الكويت إلى خمس دوائر مع عشرة مقاعد لكل دائرة وحق للناخب باختيار أربعة مرشحين.

ورفضت المعارضة هذا الإجراء، وقال نواب إن السلطة «تريد فرض توزيع مختلف يستهدف إسقاط أكبر عدد ممكن من نواب المعارضة باستغلال اختلاف توزيع الشرائح الاجتماعية على مناطق الكويت». وما زال السجال قائما إلى أن تفصل المحكمة الدستورية في هذه القضية.

ولم تقتصر أزمات الكويت على الجانب السياسي، إذ يرى معارضون أن التنمية في الكويت لم تكن في حال أسوأ مما هي عليه الآن، فعلى رغم أن برميل النفط الكويتي لامس 110 دولارات وفوائض موازنة عام 2011 وحدها تجاوزت 16 مليار دولار فإن الشكوى من تردي الخدمات العامة لا تتوقف.

ويرجع المعارضون ذلك إلى الفساد وسوء الإدارة الحكومية، بينما تقول السلطة وإعلامها إن إساءة استغلال الديمقراطية والحريات من قادة المعارضة وأحزابها أدخلت الكويت في أزمات مستمرة شغلت الحكومات المتتالية عن الإنجاز.

لكن اللافت في الحراك السياسي بالكويت أنه لم يقتصر على الصراع الدائر بين الحكومة والمعارضة فقط، بل تخطاه إلى حراك شبابي نشط تأثر بأجواء الربيع العربي، ولم يتوقف صداه على العالم الافتراضي في شبكات التواصل الاجتماعي، بل تعداه للمشاركة في ساحة الإرادة.

حراك الكويت ودول الخليج
وتبقى قضية علاقة الشأن الكويتي بمحيطه الخليجي، فالحراك السياسي بالكويت ومثيله في مملكة البحرين المجاورة وإن تأثرا بالربيع العربي -ولو بنسبة محدودة- إلا أن طبيعة بلدان الخليج المختلفة كثيرا عن بقية البلدان العربية -خاصة البلاد التي شهدت ثورات- تُوحي بدرجة من الاستقرار السياسي في حده الأعلى أو بانخفاض سقف الرغبات في التغيير في حده الأدنى.

فطبيعة دول الخليج من حيث أنظمة الحكم فيها، وهي أنظمة تعتمد على مبدأ الأسرة الحاكمة، وارتفاع مستوياتها الاقتصادية ومن ثم ندرة مشاكلها الاقتصادية، بالإضافة إلى الطبيعة الديمغرافية فيها، إذ يُشكل الوافدون أغلبية السكان في عدد من دولها، كل هذه عوامل تنبئ بقدر أكبر من الرغبة في الاستقرار وعدم التطلع للتغيير.

المصدر : الجزيرة