الأطفال عرضة للقتل في سوريا (الجزيرة نت)

الجزيرة نت-خاص 

دون أي ذنب وقبل أن يفهموا معنى الموت قُدر للكثير من الأطفال السوريين أن يواجهوه يوميا، وأن يكونوا ضحايا القتل وشهودا عليه وهو يخطف من حولهم.

أكثر من 2400 طفل قتلوا منذ بداية الثورة وفق إحصاءات مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، وكان آخرهم الطفلة مقطوعة الرأس التي انتشرت صورها يوم أمس الأحد وكانت إحدى ضحايا مجزرة في قرية كفر عويد بإدلب. 

وما يزال العنف المتصاعد يوغل في ترك آثاره على أجساد الأطفال الغضة ونفوسهم. 

فهم الأطفال للموت والصراع الدائر في البلاد الآن يختلف وفق مراحلهم العمرية (الجزيرة نت)

حالات واقعية
ورامي صبي بالرابعة من عمره كان مع والدته بسوق في درعا البلد عندما حدثت اشتباكات أجبرتهما على الاختباء ست ساعات متواصلة في ذلك المكان, ليشهد الطفل سقوط قتيلين أمام عينيه قنصا بالرصاص ويعود إلى البيت غير قادر على النطق وفقا لما أخبرنا به أحد أفراد أسرته، إنه واحد من الأطفال السوريين الذين يعيشون أحداثا بهذه القسوة والتي تترك آثارا نفسية بالغة لديهم. 

ورغم أن الكلام لم يجر واضحا بعد على لسان الطفلة ولاء التي لم تبلغ السنتين فإنه عند رؤيتها على التلفزيون لصور جثامين أطفال ملفوفين بأكفان بيضاء أشارت إليهم قائلة بأنهم نائمون، وقالت أمها للجزيرة نت إنها تصاب بالفزع من أصوات الطائرات والقذائف وأي صوت قوي تسمعه تعتقد أنه طائرة، وتصحو كثيرا خلال نومها وهي تبكي. 

ومايا مثال آخر لطفلة في العاشرة من عمرها تعيش الآن مع والديها في مدرسة بدمشق مع عائلات نزحت من المناطق المتوترة، وعلى خلاف بقية أقرانها فإنها شديدة الانطواء على نفسها وسريعة البكاء، ويجد المشرفون صعوبة بالغة في دمجها ضمن نشاطات الأطفال وتصاب بنوبات بكاء قوية دون أسباب تذكر. 

وأحد المختصين النفسيين قام بمعاينتها وقال إنها في بداية إصابتها بنوع من الصرع وتحتاج متابعة طبية وعلاجا بالأدوية، والسبب وراء حالتها تلك أنها فقدت أخاها الأصغر منها بسنتين بطريقة بشعة فقد قتل ولفظ أنفاسه أمامها جراء القصف الذي هدم منزلهم، وكانت علاقتها به متينة جدا ولعبت فيها دور الأم الصغيرة التي تقوم برعايته والاهتمام بشؤونه وفق والدتهما التي تقول بأنها كانت تستطيع الاعتماد عليها في ذلك بالفعل، وأن صدمة مقتله كانت عنيفة بحيث لم تتمكن الطفلة من استيعابها وتخشى الأم التي خسرت ابنها أن تخسر مايا أيضا. 

الأطباء ينصحون بالسعي لإبعاد الأطفال عن مناطق الخطر وعدم تعريضهم لرؤية الجثث أو الجرحى (الجزيرة نت)

وجهة نظر طبية
وتحدث أحد الأطباء النفسيين للجزيرة نت، وفضل عدم ذكر اسمه، وأوضح أن فهم الأطفال للموت والصراع الدائر في البلاد الآن يختلف وفق مراحلهم العمرية والبيئة الاجتماعية التي ينتمون إليها.

وأن الآثار النفسية التي تخلفها الحروب لا تقل شأنا عن الدمار المادي الذي تحدثه، وقد يستمر فترات ليست بالقصيرة بعد توقف العنف، وأن المعاناة الإنسانية الحالية في سوريا ستدخل في تشكيل شخصيات الأطفال ومستقبلهم. 

وبيّن أن الصدمة النفسية في حالات موت أحد أفراد الأسرة أو معايشة العنف والقتال يمكن أن تفقد الطفل الشعور بالأمان والاستقرار، وتجعله يعاني من الخوف والفزع الليلي والأحلام المزعجة وتشتت التركيز والتلعثم وتدني قدرته على التحصيل الدراسي.

وأكد أهمية حصولهم على الدعم والعلاج النفسي، وأبدى أسفه لأن ذلك ليس بالأمر السهل حاليا، وأعرب عن أمله في توجيه الانفعالات التي يعيشونها باتجاه إيجابي يعزز قناعتهم بأنهم قادرون على تحسين واقعهم وجعله أفضل على المستوى الشخصي والعام، وأن البلد يحتاج لأبنائه الصغار كي يبنوه مجددا، وهذا الأفق يمكن أن ينفتح أمام الأطفال في سن المدرسة بعد مدة من الصدمة حيث يبدؤون بالتأقلم على العيش دون الشخص الذي فقدوه. 

الحب والأمان
وأشار إلى ضرورة التحدث إلى الأطفال ببساطة ووضوح عن الموت والأهم منحهم الحب والأمان والحرص على التواصل معهم والاستماع لهواجسهم، كما أن رد فعل الكبار ومدى تماسكهم يؤثر عليهم بشدة وقد ينشغل الأهل بآلامهم عن الأطفال الذين يكونون فيه بأمس الحاجة للشعور بوجود من يحبهم ويعطف عليهم ويهتم بهم. 

وذكر أن المعاناة تقرب بين الناس وتجعلهم أكثر تآلفا وتضامنا وأقدر على تقديم الدعم لبعضهم وأن شعور الطفل بأن من حوله يشاركونه مصيره وألمه يخفف عنه. 

ونصح الطبيب بالسعي لإبعاد الأطفال عن مناطق الخطر ومصادره ما أمكن، وعدم تعريضهم لرؤية الجثث أو الجرحى، والحد من مشاهدة صور القتل اليومية في وسائل الإعلام، والعمل على تعزيز ثقتهم بأنفسهم وشغلهم بأنشطة وأفكار تبعدهم عن سبب الصدمة.

المصدر : الجزيرة